لا يقاس رقي الأمم بنصوص قوانينها، بل بقدرة هذه النصوص على إرساء توازنٍ لا يميل فيه ميزان طرف على حساب الآخر. وفي ظل الزخم التشريعي الذي يحيط بقانون الأحوال الشخصية المرتقب، يظل السؤال المعلق في محراب العدالة: هل نحن أمام نصوص تنهي الخصومة، أم نصوص تعيد تدوير الصراع بصور جديدة
إن الغوص في تفاصيل مشروع القانون الجديد يكشف عن مناطق أخرى لا تزال تمثل “ألغاماً قانونية” تحتاج إلى فك شفراتها بصياغة تشريعية محكمة تحمي مصلحة المحضون دون إهدار كرامة الولي
أولاً: “الولاية التعليمية”.. بين السلطة الأبوية ومصلحة الصغير
تعد الولاية التعليمية من أكثر النقاط شائكة فبينما يمنح القانون الحق للأم الحاضنة في الولاية التعليمية بقوة القانون يبرز النقد القانوني في “تغييب دور الأب” عن المشاركة في رسم مستقبل أبنائه التعليمي النص المقترح المادة 54 من قانون الطفل
المأخذ القانوني: إن قصر الولاية على الحاضن وحده قد يستخدم أحياناً كأداة “للنكاية” بين المطلقين مما يؤدي لنقل المحضون من مدرسة لأخرى دون مبرر تربوي الصياغة المنضبطة يجب أن تضع معايير موضوعية تمنع انفراد طرف بالقرار وتجعل “قاضي الأمور المستعجلة” حكماً في حال الاختلاف لضمان استقرار المسار الدراسي للطفل
ثانياً: من “الرؤية” إلى “الاستضافة”.. الانتقال من المشاهدة إلى المعايشة
أقر مشروع القانون نظام “الاستضافة” كبديل لنظام الرؤية العقيم (3 ساعات في نادي) ورغم نبل المقصد إلا أن “الضمانات الإجرائية” لا تزال تشوبها الضبابية في الآتي:
والنص المقترح المواد من المادة 103 إلى 108
عوار الصياغة: كيف يضمن المشرع عودة الصغير بعد انتهاء الاستضافة؟ وهل العقوبات الجنائية (مثل الحبس أو الغرامة) كافية لجبر الضرر في حال “خطف” الصغير أو السفر به؟
إننا بحاجة إلى نص يربط “الاستضافة” بـ “منع من السفر” تلقائي ووضع ضوابط صارمة تضمن حق الطرفين في المعايشة بعيداً عن هواجس الفقد والتهريب
ثالثاً: توثيق الطلاق.. الحقيقة القانونية في مواجهة الواقع الشرعي
تطرق القانون لمسألة “الطلاق الشفهي” وضرورة التوثيق لترتيب الآثار القانونية وهنا يثور تساؤل حول “الفجوة الزمنية” بين وقوع الطلاق وتوثيقه:
والنص المقترح المادة 45 و46
من وجهة نظري: إن عدم ترتيب آثار الطلاق إلا من تاريخ التوثيق قد يضر بالحقوق المالية للمرأة أو يفتح باباً للتلاعب في المواريث الصياغة يجب أن تفرق بدقة بين “إثبات الواقعة” وبين “إلزامية التوثيق”، صوناً للحرمات ومنعاً للتحايل على القانون
رابعاً: “صندوق تأمين الأسرة”.. التمويل وصعوبات التنفيذ
مقترح المادة 112 مكرر
رغم أهمية الصندوق في توفير نفقة عاجلة إلا أن “آليات التحصيل” قد ترهق عاهل المتقاضين إن جعل الرسوم “شرطاً للتقاضي” أو “شرطاً لإتمام العقود” قد يصطدم بالحق الدستوري في مجانية التقاضي ويسر الوصول للعدالة خاصة للفئات الأكثر احتياجاً
الخلاصـــــــــــــــــــــــــــــة
إن قانون الأحوال الشخصية هو “دستور البيوت” والجودة التشريعية تقتضي ألا يترك النص للتأويل إننا لا نحتاج لقانون “ينصر” المرأة أو “ينتقم” للرجل، بل نحتاج لنص “يحتوي” الطفل فالقانون الذي لا يوفر الطمأنينة لجميع أطراف العلاقة سيظل نصاً قلقاً يولد من الخصومات أكثر مما يحل من المشكلات
فالعدل ليس في كثرة المواد، بل في إحكام الصياغة التي تقطع دابر الكيد، وتعلي مصلحة المحضون فوق كبرياء الخصوم