في ظل ما تشهده الساحة القانونية من تزايد المنازعات المرتبطة بحقوق الملكية، تظل أراضي الأوقاف الأهلية واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، لما تتداخل فيه من اعتبارات قانونية واجتماعية وإنسانية. فبين نصوص قانونية واضحة تكفل الحقوق لأصحابها، وواقع عملي تفرضه إشكاليات وضع اليد وتعقيدات التنفيذ، يجد كثير من المستحقين أنفسهم أمام معركة طويلة لاسترداد حقوق ثابتة كفلها لهم القانون. ومن هنا تبرز أهمية إعادة تسليط الضوء على هذا الملف، تأكيدًا لسيادة القانون وصونًا لحقوق الملكية من أي عبث أو تعطيل.
تعد قضية الأوقاف الأهلية من أعقد الملفات القانونية التي تمس حقوق الملكية في مجتمعنا خاصة تلك الأراضي التي آلت لصالح المستحقين والورثة بموجب القوانين المنظمة لإنهاء الوقف ورغم وضوح المركز القانوني لهؤلاء الملاك إلا أن الواقع العملي يصطدم بعقبات جسيمة
أولاً: الحماية القانونية لحق الاسترداد
إن الأراضي التي انتهى وقفها أهلياً تعود ملكيتها بقوة القانون إلى مستحقيها ولم يكتفِ المشرع المصري بذلك بل أحاط هذه الملكية بحماية خاصة حيث قرر عدم جواز تملك الأراضي المملوكة للأوقاف أو الأشخاص الاعتبارية العامة بالتقادم (وضع اليد) مهما طالت مدته وفقاً لما استقرت عليه أحكام محكمة النقض وتعديلات المادة 970 من القانون المدني
ثانياً: ظاهرة التعنت في إخلاء وضع اليد
من المؤسف أن نجد من يضع يده على هذه الأراضي لسنوات طويلة متحصناً بمرور الزمن أو مستغلاً بطء الإجراءات، ليمارس نوعاً من التعنت في تسليم الحقوق لأصحابها هذا التعنت ليس مجرد نزاع مدني بل هو:
إهدار لسيادة القانون: الذي يمنع اكتساب الملكية على أعيان الوقف بالتقادم
تعطيل للعدالة: بإجبار الملاك الأصليين على خوض نزاعات قضائية مجهدة لاسترداد ما هو ثابت لهم بيقين
و اخيرا
إن الحق لا يسقط بالتقادم في أعيان الأوقاف ومهما طال أمد وضع اليد فإن يد الغاصب تبقى “يداً عارضة” لا ترتب حقاً ولا تنشئ ملكاً.
إن احترام أحكام القانون ليس خيارًا يمكن الالتفاف حوله، بل هو الضمانة الحقيقية لاستقرار المجتمع وحماية الحقوق. وقضية أراضي الأوقاف الأهلية تؤكد أن العدالة قد تتأخر أحيانًا بفعل التعقيدات الإجرائية، لكنها لا تسقط أبدًا ما دام الحق ثابتًا وسنده القانون. ويبقى الأمل معقودًا على سرعة حسم هذه النزاعات وتمكين أصحاب الحقوق من استرداد أملاكهم، ترسيخًا لهيبة القانون وصونًا لحقوق لا يجوز أن تكون رهينة لوضع يدٍ طال أمده دون وجه حق.