المسامحة بين المغفرة والمازوخية ، مسافةٌ يجهلها كثيرون، أو يتجاهلونها عمدًا. فما أصعب أن يحتمل القلبُ الشعاراتِ والفضائل حين يُمتحن بها حقًّا، بعيدًا عن دفء الكلام وسهولة الوعظ.
يحدثونك طويلًا عن التسامح، ويرددون أن البشر خطّاؤون، ثم يجعلون من هذه الحقيقة جسرًا يعبرون عليه إلى تكرار الأذى بلا ندم، ولا مراجعة، ولا ضمير. فإذا اعترضتَ أو تألمتَ، انهالت عليك الوصايا: اغفر، وتجاوز، واصفح سبعين مرة.
لكن العجيب أن هذه الفضائل تتبدل ملامحها حين تنقلب الأدوار؛ فإذا كانوا هم المخطئين طلبوا الرحمة والتفهم، أما إذا كانوا هم الضحايا، انقلب التسامح إلى غضب، والمغفرة إلى ضعف، وصارت الزلة التي كانوا يهونون منها جريمةً لا تُغتفر.
ولذلك فالمغفرة فضيلة عظيمة، لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى إذنٍ دائم بالأذى، أو حين يُطلب من الإنسان أن يقتل كرامته باسم الصفح. فليس كل احتمالٍ نبلًا، ولا كل صمتٍ حكمة، وإلا لكان الفرق بين التسامح والمازوخية فرقًا في الألفاظ لا في المعاني.
قال لي يومًا، وهو يهوّن من جرائمهم:
— أليسوا بشرًا؟ والبشر يخطئون.
قلت:
— نعم، يخطئون، ولكن الخطأ إذا تكرر عن عمد، وصار صاحبه يعلمه ثم يعود إليه مختارًا، لم يعد زلّةً تُغتفر، بل صار فجورًا يُدان.
فقال، وقد احتمى بكلمات الوعظ:
— الصديق يسقط سبع مرات ويقوم.
فسكتُّ لحظة، ثم دنوتُ منه وبصقتُ في وجهه.
تجمّد مكانه من الذهول، كأن عقله عجز عن تصديق ما حدث. ثم انفجر صارخًا، يشتم ويلعن، واندفع نحوي يريد ضربي.
فرفعت يدي سريعًا وقلت:
— مهلاً… مهلاً… أنا آسف… سامحني.
وتراجعت خطوات، أعتذر بإلحاح شديد:
— غصبًا عني… أخطأت مرة واحدة… لا تجعلني أبصق في وجهك مرةً أخرى يا رجل.
فصاح في وجهي:
— أنت مجنون! مجنون!
فقلت له، وأنا أهرب من أمامه وهو يطاردني:
— أخطأتُ إليك مرةً واحدة، فلم تسامحني، بل وصفتني بالجنون والأحمق. أفلم تعذر “مجنونًا” تقول إنه لا يملك اتزان نفسه؟
ثم تريد من الناس أن يسامحوا عاقلًا يؤذيهم المرة بعد المرة، ويعيد الإساءة سبعًا، بل سبعين، باسم فضيلةٍ لا يطبقها أحد حين تمسّ كرامته هو؟
فتوقف لحظة، لا لأنه اقتنع، بل لأن المرآة حين تُرفع أمام الإنسان فجأة، يفزع أحيانًا من صورته أكثر مما يفزع من خصمه.
ثم عاد يصرخ:
— ما لي ومالك يا ابن الوسخة؟! اغرب عن وجهي يا مجنون! يا أحمق! يا كافر!