بين ولادة طفلٍ وولادة كتاب، مسافةٌ من الوجع لا يفهمها إلا من عاشها.
فالكاتب لا يكتب الكلمات فقط، بل يسكب شيئًا من روحه في كل صفحة، ويترك جزءًا من قلبه بين السطور. لذلك، عندما يخرج الكتاب إلى العالم، يشعر الكاتب وكأنه يسلّم طفله الأول إلى أيدٍ لا يعرفها، ثم يقف بعيدًا يراقب مصيره بقلقٍ وعجز.
أصعب مرحلة يمر بها الكاتب ليست الكتابة ذاتها، ولا السهر الطويل، ولا حتى محاربة الأفكار الهاربة، بل تلك اللحظة التي يصبح فيها الكتاب ملكًا للقراء. لحظة الانتظار القاسية، انتظار الآراء والانطباعات، والخوف من أن يُساء فهم هذا الطفل الورقي الذي وُلد بعد مخاضٍ طويل من التعب النفسي والوجداني.
كل كتاب أنجبته كان يحمل شيئًا مني، وكان يترك داخلي فراغًا لا يملؤه شيء. كنت أشعر بعد صدور كل رواية وكأن جزءًا من قلبي ابتعد عني، يسافر وحده في طرقات العالم، يلتقي بوجوهٍ لا أعرفها، ويواجه أحكامًا لا أستطيع حمايته منها.
منذ عشر سنوات بدأت الرحلة مع أولى رواياتي: راتب والراوية، ثم الضحية والقنديل، وكانت البداية التي فتحت الباب لهذا العالم المرهق الجميل. ثم جاءت غريبة ستوكهولم عام 2022، تحمل شيئًا من الغربة والبرد والأسئلة الثقيلة التي تسكن الروح. وبعدها وُلدت رواية أنا ابنة زوجي عام 2024، لتلامس مناطق شائكة من العلاقات الإنسانية والألم الخفي.
وفي عام 2025 أصدرت رأيك اللعنة، الرواية التي حملت الكثير من الصراع الداخلي والتمرد، ثم جاءت رواية حين أحببت قاتلي عام 2026، وربما كانت من أكثر الأعمال التي استنزفتني نفسيًا، لأنها لم تكن مجرد حكاية، بل مواجهة مع المشاعر المعقدة التي يصعب الاعتراف بها.
وقد تُرجمت أغلب أعمالي إلى اللغة الإنجليزية، واختير عدد منها ليكون مادةً لدراسات الماجستير في جامعة المثنى في العراق، بفضل الجهود الكبيرة والدعم الثقافي الذي قدّمه الصديق الدكتور واثق الحسناوي، ذلك الإنسان الذي لم يكن مجرد أكاديمي، بل قارئًا حقيقيًا آمن بقيمة الأدب وقدرته على البقاء. وكان حضوره الثقافي النبيل بمثابة الضوء الذي منح أعمالي مساحةً جديدة للحياة والانتشار.
ولم تتوقف الرحلة عند الروايات فقط، بل جمعت أيضًا حصيلة خمسة عشر عامًا من الكتابة الصحفية والتأملات الإنسانية في كتاب بعنوان الضمير خارج الخدمة، يضم مجموعة من مقالاتي التي نُشر أغلبها في الصحف، ليكون شاهدًا على سنوات طويلة من الفكر والتجربة والانفعال بالحياة.
الناس يرون الكتاب بعد طباعته، أنيقًا ومستقرًا فوق رفوف المكتبات، لكنهم لا يرون الليالي التي بكى فيها الكاتب بصمت، ولا القلق الذي يرافقه بعد كل إصدار، ولا ذلك الاكتئاب الخفي الذي يهاجمه عندما يبتعد الكتاب عن قلبه ويصبح تحت رحمة القرّاء.
الكاتب الحقيقي لا ينسى كتبه أبدًا، لأنها ليست أوراقًا وحبرًا، بل أبناء خرجوا من روحه، وكلما ابتعدوا عنه، شعر أنه فقد جزءًا من نفسه. وربما يظن البعض أن الكاتب ينسى كتبه بعد نشرها، لكن الحقيقة أن كل كتاب يظل يعيش داخله، حتى بعد أن يغادر يديه.
ولأجل ألا يتوه أبنائي من ورق بعيدًا عن بعضهم، جمعتهم في متجرٍ واحد، ليبقوا معًا كإخوةٍ من الحبر والذاكرة.