هناك معيار بسيط يمكن أن يقيس به مدى تحضر الآمم وعدالة المجتمعات وهو كيف نتعامل مع كبار السن والمتقاعدين . ففى الدول التى تحترم الأنسان لا ينظر الى المتقاعد بإعتباره عبئا على الدولة أو رقما زائدا فى سجلاتها , بل بإعتباره مواطنا أدى رسالته كاملة وساهم فى بناء وطنه ودفع الضرائب والإشتراكات , وربى الأجيال وشارك فى صناعة الحاضر الذى ينعم به الآخرون
لذلك توفر له هذه الدول حياة كريمة ورعاية صحية متميزة وخدمات اجتماعية وإنسانية تضمن له أن يعيش ماتبقى من عمره فى أمن وطمـأنينه واحترام .
أما عندنا فإن كلمة المعاش لا تزال تثير الخوف فى نفوس ملايين العاملين , فالموظف يقضى سنوات عمره وهو يعد الأيام حتى يتخلص من أعباء الوظيفة , لكنه عندما يقترب من سن التقاعد يكتشف انه مقبل على مرحلة أكثر قسوة لآن دخله سيتراجع والتزاماته لن تتراجع وأسعار السلع والخدمات لن ترحمه وأعباء العلاج ستزداد مع التقدم فى العمر .
والمفارقة المؤلمة أن العامل أو الموظف لايحصل على هذه الآموال هبة أو منحة من أحد بل هى حقوق اقتطعت من دخله طوال سنوات خدمته تحت مسميات التأمينات والمعاشات , مع ذلك يجد كثيرون أنفسهم بعد التقاعد أمام واقع صعب لا يتناسب مع سنوات العطاء الطويلة التى قدموها
أن الأزمة الحقيقية ليست فى الارقام وحدها بل فى الفلسفة التى تجكم النظرة الى المتقاعد فبدلا من اعتباره ثروة من الخبرة والتجربة والمعرفة يتم التعامل معه احيانا وكأن دوره قد أنتهى بمجرد خروجه من مكتبه أو مصنعة أو مدرسته وكأن الوطن لا يحتاج الى عقله وخبرته بعد أن تجاوز سن المعاش
والأخطر من ذلك أن الخوف من المعاش أصبح يدفع البعض الى التمسك بالوظيفة حتى أخر لحظة أوالمطالبة بمد سنوات الخدمة ليس حبا فى المناصب وإنما هروبا من واقع إقتصادى يهدد الاستقرار المعيشى بعد التقاعد.
إن المجتمع الذى لا يوفر حياة كريمة لمن أفنوا اعمارهم فى خدمته يبعث رسالة سلبية الى الأجيال الجديدة , فالشاب الذى يرى معاناة والده أو استاذه أو جاره بعد التقاعد سيسأل نفسه ماجدوى سنوات العمل الطويلة إذا كانت نهايتها القلق والحاجة ؟
لا أحد يطلب رفاهية مبالغا فيها ولا امتيازات إستثنائية وإنما يطلب حقا بسيطا وعادلا أن يعيش المتقاعد بكرامة وأن يحصل على رعاية صحية مناسبة . وأن يكون معاشه قادرا على مواجهة متطلبات الحياة الأساسية وأن يشعر بإن الوطن الذى خدمه لم ينسه عندما شاب شعره وضعفت قوته .
أن الآمم العظيمة لا تقاس فقط بما تبنيه من طرق وكبارى ومبان , بل تقاس ايضا بمدى إحترامها لمن بنوا تلك الطرق وعملوا فى تلك المصانع والمدارس وخدموا الوطن طوال أعمارهم .
فالمعاش ليس نهاية الخدمة فقط , بل هو إمتحان حقيقى لضمير الدولة والمجتمع .. وأذا فشلنا فى هذا الامتحان فإننا لا نظلم المتقاعدين وحدهم بل نظلم فكرة العدالة نفسها .