الشمل العربي ؟
الدكتورطارق هلال
هل انتهت المعركة حقاً؟ أم أننا نشاهد فقط نهاية فصل وبداية فصول أكثر تعقيداً؟ وهل خرج الجميع منتصرين كما يدعون، أم أن فاتورة الحرب لم تحصَ بعد؟
منذ الأيام الأولى للأزمة، كان واضحًا أن المنطقة تتجه نحو نقطة حسم. وسبق أن تحدثنا عن المشهد الأخير وقلنا إن جميع الأطراف، مهما ارتفع سقف التصعيد، ستعود في النهاية إلى طاولة التفاهمات. واليوم، بعد توقيع الاتفاقية، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل أصبح السؤال الأهم: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ فالحروب تبدأ بالرصاص لكنها تنتهي بالحسابات، وعندما تهدأ أصوات المدافع تبدأ الأسئلة الحقيقية في الظهور.
من دفع الثمن؟ ومن حقق أهدافه؟ ومن خرج بخسائر أكبر مما يتصور؟ هل نيتنياهو حقق ما أراد؟ ربما نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي في تحقيق بعض الأهداف التكتيكية، وربما استطاع توجيه ضربات وإظهار قدرات عسكرية، لكن السؤال الأهم: هل حقق مشروعه السياسي للشرق الأوسط؟ إذا كان الهدف هو صناعة شرق أوسط أكثر استقراراً وأمناً لإسرائيل، فإن الواقع يقول إن المنطقة أصبحت أكثر توتراً وتعقيداً. وإذا كان الهدف إنهاء مصادر التهديد، فإن الأحداث أثبتت أن الأزمات لم تنتهِ بل تغيرت أشكالها. بل إن الداخل الإسرائيلي نفسه يطرح اليوم أسئلة صعبة حول كلفة الحرب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لهذا يبدو المشهد أقرب إلى صدمة حسابات منه إلى نشوة انتصار.
من يدفع فاتورة الحرب؟
في كل حرب هناك طرف يعلن النصر، لكن الشعوب هي التي تدفع الثمن، الاقتصاد يتراجع، الاستثمارات تتردد، الأسواق تضطرب، الإنفاق العسكري يرتفع، والتنمية تتأخر. لقد دفعت المنطقة بأكملها جزءاً من فاتورة هذه المواجهة، سواء شاركت فيها مباشرة أو تأثرت بتداعياتها. أما المواطن البسيط فهو دائماً أول من يشعر بارتفاع الأسعار وآخر من يجني ثمار التسويات.
الداخل الأمريكي… هل انتصر؟
الولايات المتحدة تدخل مرحلة انتخابية وسياسية معقدة، والإدارة الأمريكية تدرك أن استمرار النزاعات المفتوحة يستنزف الموارد ويزيد الضغوط الداخلية، ولذلك فإن أي اتفاق لا يقرأ فقط في إطار الشرق الأوسط، بل أيضاً في إطار الحسابات الأمريكية الداخلية، حيث يبحث صانع القرار عن تقليل الأعباء الخارجية والتركيز على الأولويات الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة.
الداخل الإيراني… ماذا بعد؟
إيران بدورها تواجه اختباراً مهماً. فبعد سنوات من العقوبات والضغوط، أصبح الملف الاقتصادي أحد أكبر التحديات أمام القيادة الإيرانية، ومن هنا فإن أي تهدئة تمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها داخليًا، وهو ما قد يكون أكثر أهمية من أي مكسب إعلامي أو سياسي مؤقت.
لبنان… الدولة التي لا تحتمل حرباً جديدة
لبنان يقف على حافة أزمات متراكمة، اقتصاد منهك، ومؤسسات تعاني، ومجتمع يبحث عن الاستقرار، ولهذا فإن أي تهدئة إقليمية تمثل فرصة ثمينة للبنان حتى يلتقط أنفاسه ويبدأ رحلة التعافي التي طال انتظارها.
والقضية الفلسطينية… هل غابت أم عادت إلى الواجهة؟
رغم كل التطورات، تبقى الحقيقة ثابتة، القضية الفلسطينية لم تنتهِ، ولم تستطع أي حرب أو اتفاقية أو تحالف أن تلغي جوهر القضية، بل إن الأحداث الأخيرة أعادت التذكير بأن تحقيق الاستقرار الحقيقي في المنطقة لن يكون ممكناً دون حل عادل وشامل يحفظ الحقوق ويضمن الأمن للجميع. فالقضية الفلسطينية ليست ملفاً جانبياً يمكن تجاوزه، بل هي مفتاح الاستقرار الحقيقي في الشرق الأوسط.
حينما تتحدث مصر… يصمت العالم
في خضم الضجيج والتصعيد، ظل الموقف المصري ثابتاً ومتزناً. لا اندفاع نحو المغامرات، ولا انجرار وراء الاستفزازات، ولا تخلي عن الثوابت. لقد أثبتت الأحداث مرة أخرى أن مصر عندما تتحدث بلغة الدولة والخبرة والتاريخ، فإن الجميع يستمع. ليس لأن مصر تبحث عن دور، بل لأن دورها راسخ بحكم الجغرافيا والتاريخ والمسؤولية، وكثير مما طرح اليوم على موائد التفاوض كانت القاهرة قد حذرت منه أو دعت إليه منذ البداية.
حان وقت لمّ الشمل العربي
ربما يكون الدرس الأهم من كل ما جرى أن الانقسام العربي لم يعد رفاهية يمكن تحملها. فالتحديات أكبر من أي دولة منفردة، والأزمات أصبحت عابرة للحدود، والأمن القومي العربي أصبح أكثر ترابطاً من أي وقت مضى. إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى بيانات بقدر ما تحتاج إلى رؤية عربية مشتركة، ولا تحتاج إلى خلافات جديدة بقدر ما تحتاج إلى بناء مساحات تفاهم وتعاون.
المشهد الأخير
أما اليوم، وبعد أن وقعت الاتفاقية، فإن المنطقة تقف أمام لحظة مراجعة تاريخية. لقد أثبتت الأحداث أن الحروب قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تصنع سلاماً دائماً. وأثبتت كذلك أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع أن تمنح الشعوب الأمن أو الاستقرار أو المستقبل.
خرجت الأطراف تتحدث عن المكاسب، لكن الحقيقة أن الجميع عاد إلى النقطة التي كان يمكن الوصول إليها بالحوار قبل أن تدفع أثمان باهظة من الدماء والاقتصاد والاستقرار.
ويبقى الدرس الأهم أن ما جرى حولنا خلال السنوات الماضية، وما شهدته دول انهارت تحت وطأة الصراعات والانقسامات، يؤكد أن الحفاظ على الدولة الوطنية ليس خياراً سياسياً بل ضرورة وجودية.
أما مصر، فقد أثبتت مرة أخرى أن الرؤية الهادئة قد تكون أقوى من ضجيج السلاح، وأن الدولة التي تعرف حجمها وتاريخها ومكانتها لا تحتاج إلى المزايدة لإثبات دورها. لقد انتهت جولة من الصراع، لكن معركة بناء المستقبل ما زالت مستمرة. ويبقى السؤال الذي سيحكم شكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة:
هل تتعلم المنطقة من تكلفة الحروب فتختار طريق التعاون والاستقرار، أم تعود مرة أخرى إلى دائرة الصراعات التي لم يربح منها أحد؟ التاريخ يكتب الآن، والأمم التي تتوحد تبني المستقبل، أما الأمم التي تتفرق فتدفع الثمن مهما ظنت أنها انتصرت.