عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد جودة الخدمات الصحية تقاس فقط بتوافر الأجهزة أو عدد المستشفيات، وإنما بمدى الالتزام بالمعايير العلمية التي تضمن سلامة المرضى وتحفظ أرواحهم، ومن هذا المنطلق جاء القرار الحاسم الذي أصدره الدكتور عمرو دويدار، وكيل وزارة الصحة بسوهاج، ليؤكد أن صحة الأم والطفل ليست مجالًا للاجتهاد أو التساهل، وإنما مسؤولية مهنية وقانونية تستوجب الالتزام الكامل بالبروتوكولات الطبية المعتمدة، فالرقابة لم تعد مجرد إجراء إداري، بل أصبحت إحدى أهم أدوات حماية المجتمع وتعزيز الثقة في المنظومة الصحية.
جسد قرار وقف إجراء عمليات الولادة لمدة شهر داخل خمس مستشفيات خاصة بمحافظة سوهاج رسالة واضحة مفادها أن أي تقصير في تطبيق المعايير الطبية لن يمر دون محاسبة، فالقرار لم يكن عقوبة في حد ذاته، وإنما إجراء تصحيحي يستهدف إعادة الانضباط إلى منظومة الرعاية الصحية، وضمان التزام جميع المنشآت الخاصة بالدلائل الإرشادية الصادرة عن وزارة الصحة والسكان، بما يحقق أعلى مستويات الأمان للأمهات والأطفال، ويحد من الممارسات التي قد تعرض حياتهم لمضاعفات يمكن تجنبها بالالتزام العلمي الصحيح.
وأوضح الدكتور عمرو دويدار أن لجان التفتيش الفني التابعة لإدارة العلاج الحر، وبالتنسيق مع الجهات المختصة، رصدت مخالفات تتعلق بعدم الالتزام بالسياسات والإجراءات الخاصة بالولادات الطبيعية الآمنة، وعلى رأسها عدم تطبيق تصنيف روبسون، وعدم استخدام مخطط البارتوجرام، وهما من أهم الأدوات العلمية التي تساعد الطبيب على متابعة مراحل المخاض بصورة دقيقة، وتوثيق الحالة الصحية للأم، وتحديد مدى الحاجة الفعلية لأي تدخل جراحي، الأمر الذي يجعل تجاهلهما مخالفة تؤثر بشكل مباشر على جودة الرعاية وسلامة المرضى.
ويكتسب هذا القرار أهمية مضاعفة في ظل الجهود التي تبذلها وزارة الصحة للحد من معدلات الولادات القيصرية غير المبررة، والتي تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في العديد من المنشآت الصحية، رغم أن التوصيات الطبية العالمية تؤكد أن الولادة الطبيعية تظل الخيار الأفضل متى كانت الحالة الصحية تسمح بذلك، ومن هنا فإن الالتزام بتطبيق تصنيف روبسون ومخطط البارتوجرام يسهم في اتخاذ القرار الطبي السليم، ويقلل من التدخلات غير الضرورية، ويضمن أن تكون العمليات القيصرية مبنية على مبررات طبية حقيقية وليست مجرد خيار أسهل أو أسرع.
كما يعكس القرار فلسفة جديدة في إدارة القطاع الصحي، تقوم على الوقاية قبل وقوع الضرر، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه، فالرقابة المستمرة على أداء المستشفيات الخاصة تمثل أحد أهم عناصر تحسين جودة الخدمات الصحية، كما أنها تدفع جميع المنشآت إلى مراجعة إجراءاتها الداخلية، وتطوير مستوى الأداء، ورفع كفاءة الفرق الطبية، بما يواكب المعايير المهنية الحديثة، ويضمن تقديم خدمة علاجية آمنة تحترم حقوق المرضى، وتعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الرعاية الصحية.
وأكد وكيل وزارة الصحة أن المديرية لن تتهاون في اتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة لضبط معدلات الولادات القيصرية غير المبررة، وحماية صحة الأمهات والأطفال، تنفيذًا لأحكام القانون رقم 51 لسنة 1981 والمعدل بالقانون رقم 153 لسنة 2004، مشددًا على أن الالتزام باللوائح المنظمة لممارسة العمل الطبي يمثل مسؤولية مشتركة بين الجهات الرقابية وإدارات المستشفيات والأطقم الطبية، وأن أي مخالفة يتم رصدها ستواجه بإجراءات حاسمة تضمن الحفاظ على جودة الخدمات وسلامة المواطنين.
وفي الوقت نفسه، وجهت مديرية الصحة بسوهاج رسالة واضحة إلى جميع المنشآت الصحية الخاصة بضرورة الالتزام الكامل بالمعايير المهنية والاشتراطات الفنية المعتمدة، مؤكدة استمرار حملاتها الرقابية المكثفة خلال الفترة المقبلة، ليس بهدف توقيع العقوبات فقط، وإنما لترسيخ ثقافة الجودة والالتزام داخل القطاع الصحي، فالمواطن يستحق خدمة آمنة، والطبيب يستحق بيئة عمل تحكمها القواعد العلمية، والمؤسسات الصحية مطالبة بأن تجعل سلامة المرضى أولويتها المطلقة في كل إجراء أو قرار طبي.
وجدير بالذكر، يؤكد هذا التحرك أن الرقابة الصحية ليست عائقًا أمام عمل المؤسسات الطبية، بل هي الضمان الحقيقي لاستمرارها بكفاءة ومصداقية، فكل قرار يستند إلى المعايير العلمية يسهم في إنقاذ الأرواح، ويعزز الثقة بين المواطن والمنظومة الصحية، ويؤسس لمرحلة يصبح فيها الالتزام بالبروتوكولات الطبية ثقافة راسخة لا استثناءً، وهو ما يمثل الطريق الأكثر أمانًا نحو خدمات صحية تليق بالمواطن المصري وتحافظ على حقه في رعاية آمنة وعالية الجودة.