عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد المستشفيات التعليمية مجرد مؤسسات تقدم الخدمة العلاجية فحسب، بل أصبحت معامل حقيقية لصناعة الأمل، ومنصات تنطلق منها قصص النجاح الطبي التي تؤكد أن الاستثمار في الإنسان والبنية الصحية هو الطريق الأقصر لبناء مستقبل أكثر أمانًا، وما شهدته مستشفى أحمد ماهر التعليمي من افتتاح العيادات الخارجية المطورة، بالتزامن مع الاحتفال بإجراء أكثر من مائتي عملية قلب مفتوح خلال عام واحد، يعكس رؤية متكاملة تجمع بين تطوير المكان، والارتقاء بالأداء، ووضع المريض في قلب منظومة التطوير، لتتحول الإنجازات إلى واقع يلمسه المواطن كل يوم.

جاء افتتاح الدكتور محمد مصطفى عبد الغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، للجزء المطور من مبنى العيادات الخارجية بمستشفى أحمد ماهر التعليمي، ليؤكد أن التطوير الحقيقي لا يقاس بحجم الإنشاءات فقط، وإنما بما ينعكس على جودة الخدمة المقدمة للمريض، فالعيادات الخارجية تمثل الواجهة الأولى للمستشفى، ومنها تبدأ رحلة العلاج، ولذلك فإن تحديثها وفق أعلى المعايير الطبية يمثل رسالة واضحة بأن كرامة المريض، وسرعة حصوله على الخدمة، وتهيئة بيئة عمل مناسبة للأطباء، أصبحت جميعها أولويات لا تقبل التأجيل، وهو ما يعكس توجهًا مؤسسيًا نحو بناء منظومة صحية أكثر كفاءة واستدامة.
ولعل الاحتفال بنجاح وحدة جراحة القلب والصدر في إجراء أكثر من مائتي عملية قلب مفتوح خلال عام واحد، لم يكن مجرد مناسبة للاحتفاء بالأرقام، بل كان احتفاءً بقيمة العمل الجماعي، والإرادة التي تتحدى الصعوبات، فقد استعرض الدكتور مصطفى القاضي، مدير عام مستشفى أحمد ماهر التعليمي، التحديات التي صاحبت انطلاق الوحدة واستمرارها، مؤكدًا أن النجاح لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة تكامل الجهود بين جميع أعضاء الفريق الطبي بقيادة الدكتور محمود مازن رئيس الوحدة، ليصبح كل مريض تم إنقاذه شاهدًا حيًا على أن الإخلاص في العمل قادر على صناعة المعجزات الطبية.
ومن بين أبرز ما يميز مشروع التطوير، الاهتمام الكبير بصحة المرأة، من خلال إنشاء منظومة متكاملة تضم عيادتي أمراض النساء والتوليد وتنظيم الأسرة، إلى جانب تزويد عيادة الكشف المبكر عن أورام الثدي بأحدث أجهزة الماموجرام التي توفر دقة أكبر في التشخيص، بما يدعم جهود المبادرة الرئاسية لصحة المرأة، كما أن تخصيص مدخل مستقل للسيدات يعكس فهمًا حقيقيًا لاحتياجات المترددات على المستشفى، ويؤكد أن جودة الخدمة لا ترتبط فقط بالأجهزة الحديثة، وإنما تمتد لتشمل الخصوصية، والراحة النفسية، واحترام خصوصية كل مريضة.
كما أن الأرقام المتعلقة بالمترددين على العيادات الخارجية تكشف حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المستشفى، إذ تستقبل يوميًا ما بين ألف وخمسمائة إلى ألفي مريض في مختلف التخصصات الطبية خلال الفترتين الصباحية والمسائية، وهو معدل يفرض تحديات كبيرة على مستوى التنظيم وسرعة تقديم الخدمة، ولذلك فإن أعمال التطوير الأخيرة لم تكن رفاهية أو تحسينًا شكليًا، بل جاءت استجابة ضرورية لرفع الطاقة الاستيعابية، وتقليل فترات الانتظار، وتحسين تجربة المريض منذ لحظة دخوله وحتى انتهاء رحلته العلاجية.
وفي كلمته خلال الاحتفالية، أكد الدكتور محمد مصطفى عبد الغفار استمرار دعم الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية لكافة الأطقم الطبية، وتوفير أحدث الإمكانيات التي تضمن استمرار تقديم خدمات صحية متطورة للمواطن المصري، وهي رسالة تؤكد أن التنمية الصحية لا تتحقق بالمباني وحدها، وإنما بالاستثمار في العنصر البشري، وتوفير بيئة عمل تشجع على الإبداع والتميز، وتحفز الفرق الطبية على مواصلة الإنجاز، وهو ما يجعل مستشفى أحمد ماهر نموذجًا يحتذى به في كيفية الجمع بين التطوير المؤسسي، والتميز الطبي، والبعد الإنساني في تقديم الرعاية.
إن ما تحقق داخل مستشفى أحمد ماهر التعليمي لا يمثل نجاحًا لمؤسسة بعينها، بل يعد انعكاسًا لمسار متصاعد تشهده المنظومة الصحية المصرية، عنوانه التطوير المستمر، والاعتماد على الكفاءات الوطنية، وتوسيع نطاق الخدمات التخصصية عالية الجودة، وعندما يجتمع تحديث البنية التحتية مع الإنجاز الجراحي، وتتكامل التكنولوجيا مع الخبرة الإنسانية، تصبح النتيجة منظومة قادرة على استعادة ثقة المواطن، وصناعة مستقبل صحي أكثر إشراقًا، لتظل كل عملية ناجحة، وكل عيادة مطورة، وكل مريض يغادر المستشفى متعافيًا، شهادة جديدة على أن الطب المصري يسير بخطوات ثابتة نحو الريادة.