عبدالرحيم عبدالباري
في مسيرة الأمم، لا تُقاس الإنجازات بما يُشيد من مبانٍ، ولا بما يُعلن من مشروعات فحسب، وإنما بما يُبنى من عقول، وما يُصان من أرواح، وما يُستثمر في الإنسان باعتباره الثروة التي لا تنضب، ومن هنا فإن المؤتمرات العلمية الكبرى ليست مجرد فعاليات تتزاحم فيها الكلمات، أو مناسبات لتبادل الخبرات، بل هي إعلان صريح عن رؤية دولة تدرك أن المستقبل يبدأ من المعرفة، وأن الطب لم يعد مجرد مهنة تمارس داخل جدران المستشفيات، وإنما أصبح منظومة حضارية متكاملة، تتشابك فيها العلوم، وتتلاقى فيها الخبرات، وتتحد فيها الإرادات من أجل هدف واحد، هو أن يحظى الإنسان، منذ لحظة ميلاده، بأفضل فرصة للحياة، ولذلك جاء انعقاد المؤتمر المصري الدولي الأول لطب الحالات الحرجة للأطفال، الذي نظمته مديرية الشؤون الصحية بالقاهرة تحت رعاية الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار، نائب وزير الصحة والسكان، ليؤكد أن الدولة المصرية لا تتحرك بردود الأفعال، وإنما وفق رؤية استراتيجية تضع صحة الطفل في قلب مشروعها الوطني لبناء الإنسان.
ولعل القراءة المتأنية لهذا المؤتمر تكشف أنه لم يكن حدثًا علميًا عابرًا، بل محطة جديدة في رحلة طويلة تسعى خلالها وزارة الصحة والسكان إلى إعادة صياغة مفهوم التعليم الطبي المستمر، فالعلوم الطبية لم تعد تعرف الثبات، وما كان يُعد إنجازًا بالأمس قد يصبح اليوم مجرد معلومة تقليدية أمام طوفان التطور العلمي، ولذلك أصبح الطبيب مطالبًا بأن يتعلم كل يوم، وأن يراجع خبراته باستمرار، وأن ينفتح على التجارب العالمية دون أن يفقد خصوصية الواقع المصري، ومن هنا جاءت مشاركة نخبة كبيرة من أساتذة الجامعات والاستشاريين والخبراء المحليين والدوليين، ليصبح المؤتمر مساحة حقيقية لتلاقح الأفكار، وتبادل الخبرات، ومناقشة أحدث البروتوكولات العلاجية، بما يضمن أن تكون غرف الرعاية الحرجة للأطفال في مصر امتدادًا لأفضل الممارسات الطبية المعمول بها عالميًا، وهو ما يعكس فلسفة جديدة تؤمن بأن المعرفة هي السلاح الأول في مواجهة المرض.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يؤكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن المؤتمر يأتي في إطار استراتيجية الدولة لتنمية الكوادر الطبية، فالقضية لم تعد مرتبطة بشراء أجهزة حديثة أو إنشاء مبانٍ متطورة، وإنما أصبحت مرتبطة، في المقام الأول، ببناء الطبيب القادر على استثمار تلك الإمكانات، لأن الأجهزة مهما بلغت دقتها تظل أدوات صامتة، لا تنطق إلا بعلم الطبيب، ولا تحقق رسالتها إلا بمهارة الفريق الطبي، ولذلك فإن الاستثمار في العنصر البشري يظل الاستثمار الأكثر قيمة، والأكثر استدامة، وهو ما يجعل مثل هذه المؤتمرات جزءًا أصيلًا من مشروع الدولة لتطوير المنظومة الصحية، وليس مجرد نشاط علمي يضاف إلى أجندة الفعاليات السنوية.
وقد نجح المؤتمر في تجاوز الإطار التقليدي للمؤتمرات الطبية، عندما جمع بين الجانب الأكاديمي والتطبيق العملي، فلم تقتصر فعالياته على المحاضرات العلمية، وإنما امتدت إلى ورش تدريبية متخصصة تناولت التنفس الصناعي للأطفال والمبتسرين، والتغذية العلاجية، وإعداد القيادات الصحية، والمهارات الإكلينيكية والإدارية، وهي رسالة بالغة الأهمية تؤكد أن الطبيب في العصر الحديث لم يعد مطالبًا فقط بإتقان التشخيص والعلاج، وإنما أصبح مطالبًا أيضًا بإدارة الأزمات، واتخاذ القرار، والعمل داخل فريق متعدد التخصصات، والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، وهو ما يجعل بناء الكفاءات عملية متكاملة، تتجاوز حدود التخصص الضيق إلى بناء شخصية مهنية قادرة على مواجهة أكثر المواقف تعقيدًا.
وفي هذا السياق، جاءت كلمة الدكتور تامر مدكور، وكيل وزارة الصحة بالقاهرة، لتمنح المؤتمر بعدًا عمليًا يتجاوز حدود القاعات العلمية، عندما أعلن إطلاق مبادرة للكشف المبكر عن خلع مفصل الحوض لدى حديثي الولادة في جميع وحدات الرعاية الأولية ومستشفيات القاهرة، بالتعاون مع كلية طب قصر العيني، فهذه المبادرة لا تعكس فقط حرص الدولة على الاكتشاف المبكر، وإنما تجسد تحولًا في الفكر الصحي من علاج المرض بعد وقوعه إلى منعه قبل أن يتحول إلى معاناة دائمة، وهي الفلسفة التي أصبحت تمثل جوهر النظم الصحية الحديثة، لأن الوقاية ليست أقل شأنًا من العلاج، بل هي في كثير من الأحيان أكثر إنسانية وأقل تكلفة وأكثر تأثيرًا في حياة الأفراد والمجتمعات.
واضاف الدكتور أيمن عباس رئيس الإدارة المركزية للصحه النفسيه، ان الطفل ليس جسدًا فقط، بل عقل ومشاعر ونفس تحتاج جميعها إلى الرعاية، جاءت مشاركة وزارة الشباب والرياضة، والأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، ومؤسسة مصر للتوحد، لتؤكد أن الرؤية التي يحملها المؤتمر تتجاوز حدود الطب التقليدي، وتسعى إلى بناء نموذج للرعاية الصحية الشاملة، وهو ما عززه إعلان الدكتور أيمن عباس عن الإعداد لمشروع متكامل للتأهيل النفسي للنشء بإشراف متخصصين في الطب النفسي الرياضي والسلوكي، وهي خطوة تحمل دلالة حضارية عميقة، مفادها أن بناء الإنسان لا يكتمل بعلاج أعضائه فقط، وإنما بحماية توازنه النفسي، وتعزيز قدرته على مواجهة تحديات الحياة منذ سنواته الأولى.
واكد الدكتور محمد عيد، وكيل الطب العلاجي بالمديرية، ان هذا المشهد العلمي، تبدو الصورة أكثر وضوحًا، فالمؤتمر المصري الدولي الأول لطب الحالات الحرجة للأطفال لم يكن مجرد فعالية انتهت بإعلان توصيات، وإنما كان إعلانًا عن مرحلة جديدة تؤمن بأن مستقبل الرعاية الصحية يبدأ من الاستثمار في الإنسان، وأن جودة الخدمات الطبية ليست نتاج الصدفة، بل ثمرة العلم، والتدريب، والعمل الجماعي، والرؤية بعيدة المدى، وما قامت به مديرية الشؤون الصحية بالقاهرة في تنظيم هذا الحدث، بدعم وزارة الصحة والسكان، يؤكد أن بناء منظومة صحية حديثة لا يتحقق بقرار واحد، وإنما بسلسلة متصلة من المبادرات العلمية، والتطوير المستمر، والإيمان بأن كل طفل يتم إنقاذه، وكل طبيب يزداد علمًا، وكل خبرة تُنقل من جيل إلى آخر، هي لبنة جديدة في بناء وطن يجعل صحة أبنائه عنوانًا لتقدمه، وإنسانيته، وقوته.
كما اكتسب المؤتمر بعدًا مؤسسيًا مهمًا من خلال استضافة مستشفى منشية البكري، لهذا الحدث العلمي، وهو ما يعكس مكانة المستشفى كمركز للتعليم والتدريب إلى جانب دوره العلاجي، وقد أكدت الدكتورة وفاء أبو جبل، رئيسة المؤتمر، أن البرنامج العلمي صُمم ليكون تطبيقًا حيًا لأحدث المستجدات العالمية،
كما أوضح الدكتور محمود البرنس مدير عام مستشفىمنشية البكري، أن المستشفى تؤدي رسالة تتجاوز تقديم الخدمة الطبية إلى إعداد أجيال جديدة من الكوادر المؤهلة، وهي رسالة تؤكد أن المؤسسات الصحية الكبرى لا تقاس فقط بعدد المرضى الذين تعالجهم، وإنما أيضًا بعدد الأطباء الذين تسهم في إعدادهم، وعدد الخبرات التي تنقلها إلى الأجيال القادمة.