كتبت.. أماني تامر
في زمن تتنافس فيه الدول على بناء اقتصادات قوية ومستدامة، لم تعد الحرف والمهن مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل أصبحت ركيزة أساسية للتنمية، وأحد أهم أدوات الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز القوة الناعمة. فالدول التي استثمرت في مهارة الإنسان قبل أي شيء، استطاعت أن تحول تراثها إلى مصدر للدخل وفرص العمل وجذب السياحة.
ولسنوات طويلة، ارتبطت فكرة النجاح في أذهان البعض بالوظيفة المكتبية، بينما نُظر إلى الحرف اليدوية باعتبارها خيارًا أقل مكانة. لكن الواقع أثبت أن الحرفي الماهر لا يبني مستقبله فقط، بل يساهم في دعم الاقتصاد، وخلق فرص عمل، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وتملك مصر ثروة هائلة من الحرف التراثية التي تعكس حضارتها وتنوعها الثقافي، من الأثاث في دمياط، والخيامية، والخزف، والسجاد اليدوي، والمشغولات النحاسية والنوبية وغيرها من الصناعات التي تحمل بصمة مصرية أصيلة. ومن هنا تأتي أهمية المبادرات الوطنية، وفي مقدمتها معرض “ديارنا”، الذي أصبح نافذة مهمة لدعم الحرفيين والأسر المنتجة، وتسويق منتجاتهم، والحفاظ على المهن التراثية، وتشجيع الصناعة المحلية.
كما نجحت دول عديدة، مثل المغرب وتركيا وإيطاليا، في تحويل الحرف التقليدية إلى عنصر جذب سياحي، فأصبحت الأسواق وورش الصناعات اليدوية جزءًا من تجربة السائح، ومصدرًا مهمًا للدخل القومي. وهذا يؤكد أن الحفاظ على التراث ليس مسؤولية ثقافية فقط، بل استثمار اقتصادي يعود بالنفع على المجتمع بأكمله.
ولذلك، فإن نشر ثقافة احترام الحرف والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني لم يعد رفاهية، بل ضرورة تفرضها متطلبات سوق العمل. فالعالم اليوم يحتاج إلى فنيين مهرة بقدر حاجته إلى أصحاب المؤهلات الأكاديمية، والنجاح الحقيقي يقاس بما يقدمه الإنسان من قيمة وإنتاج.
إن مستقبل الأمم تصنعه العقول المبدعة والأيدي الماهرة معًا. وكلما منحنا الحرف والمهن المكانة التي تستحقها، استطعنا بناء اقتصاد أكثر قوة، والحفاظ على تراثنا، وتقديم صورة حضارية لمصر، تؤكد أن الإبداع والعمل والإنتاج هي الطريق الحقيقي نحو التنمية والازدهار