اليوم في زمن اختلطت فيه الوسائل وتعددت المصطلحات، وفي ظل طوفان من التفاهات التي تسير كما يسير الماء في كل الشقوق والمنصات التي نراها كل دقيقة، نجد أنفسنا أمام معركة صامتة لا تقل شراسة عن حروب البقاء.
ولو رفعنا الستار عن المشهد الرقمي المعاصر، نرى بوضوح كيف تحول الوعي إلى قربان يقدم على مائدة التفاهة.
ولم يعد الصراع خافياً، بل أصبح عرضاً يومياً متكاملاً تستباح فيه العقول وتهدر الطاقات الفكرية إرضاءً لشهوة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد من المعارك، بل تعداه لنجري وراء تفاهات يظن أصحابها أنهم أحرار في التحدث بها كيفما شاءوا، متناسين أن لكل شيء قواعد وأسساً يجب أن يتوافق معها المجتمع.
ويخرج علينا اليوم من يلهث خلف هوس “الترند” فينشر الخرافات ويقول كلاماً يستحي العقل من سماعه أو تكراره، تفاهات تسير بلا رادع ولا أخلاق.
إن الحرية الفردية التي هي قيمة عليا في أي مجتمع ناضج لا تعني أبداً الفوضى المطلقة أو التخلي عن المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية.
ومهما مورس الترند اليوم تحت غطاء حرية التعبير، ليس سوى مسخ لهذه الحرية وتحويلها إلى أداة لهدم القيم.
فالحرية الحقيقية تنتهي حزاماتها عندما تبدأ في تلويث الفضاء العام وتخريب عقول الناشئة ونشر الابتذال الذي تقشعر له الأبدان.
عندما ينحدر الخطاب العام إلى هذا الحد السحيق، وتصبح السفاهة وجبة دسمة تقدم بلا حسيب أو رقيب، فإننا لا نكون أمام تنوع ثقافي أو اختلاف في الآراء، بل أمام حالة من الانفلات القيمي الذي يستوجب وقفة حازمة ومجتمعية حقيقية.
إن المجتمعات التي تتسامح مع تدمير وعيها الذاتي باسم الحرية الوهمية، إنما تحفر قبرها بيديها وتفتح الأبواب واسعة أمام انهيار الحصون الأخلاقية التي تحمي تماسكها وبقاءها.