لم تعد القضية الفلسطينية اليوم مجرد مواجعة عسكرية بين اسرائيل وحركة حماس ولا خلافا سياسيا حول مستقبل فصيل بعينه بل أصبحت قضية شعب يسعى الى البقاء على أرضه فى ظل حرب خلقت دمارا هائلا وأزمة إنسانية غير مسبوقة وأعادت طرح اسئلة جوهرية حول مستقبل غزة والقضية الفلسطينية بأسرها
إن ماتشهده غزة من دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين الى جانب التهجير المتكرر وتفاقم المجاعة ونقص الدواء وانهيار البنية الاساسية يمثل أحد أخطر فصول الصراع الفلسطينى الاسرائيلى منذ عقود وفى الوقت نفسه تتزايد الطروحات السياسية والدولية بشأن مستقبل القطاع وإدارته وإعادة إعماره وهو مايجعل المعركة لا تقتصر على الميدان العسكرى بل تمتد الى رسم ملامح الواقع السياسى الذى سيعقب الحرب
لم تكن غزة يوما مجرد شريط ساحلى محدود المساحة بل تمثل موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية على البحر المتوسط كما تشير الدراسات الى وجود احتياطات من الغازالطبيعى قبالة سواحلها الأمر الذى يضيف بعدا اقتصاديا الى اهميتها الجيوسياسية بجانب بعدها الوطنى والإنسانى ومن هنا فإن الصراع على غزة لا يرتبط بالحاضر وحده بل يمتد الى حسابات المستقبل وموازين النفوذ فى المنطقة .
ولذلك فإن مستقبل غزة لا يتعلق فقط بإعادة بناء المنازل والطرق والمستشفيات وإنما يرتبط ايضا بمن ستكون له الكلمة فى إدارة القطاع وكيف ستتم إعادة الأعمار ومااذا كانت هذه العملية ستتم بما يحفظ حقوق الفلسطينين ويخدم مصالحهم الوطنية بعيدا عن أى ترتيبات تفرض بقوة الآمر الواقع .
ومع استمرار الحرب لم تعد المواجهة تقتصر على السلاح بل أمتدت الى الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعى حيث تتنافس الروايات المختلفة فى محاولة لتفسير ما يجرى والتأثير فى الرأى العام العالمى وبين هذا وذاك يبقى من الضرورى التمييز بين النقد السياسى المشروع وبين الخطاب الذى يسهم فى تأجيج الكراهية أو تجاهل المعاناة الانسانية للمدنيين
إن الاختلاف فى المواقف السياسية أمر طبيعى لكن حماية الحقيقة والدفاع عن حقوق المدنيين والالتزام بالقانون الدولى الإنسانى تظل مبادىء لا ينبغى ان تكون محل خلاف أو مساومة
إن مستقبل القضية الفلسطينية لن تحدده نتائج المعارك وحدها بل ستحدده ايضا مخرجات التحركات السياسية والدبلوماسية خلال المرحلة المقبلة فالحفاظ على حقوق الشعب الفلسطينى وضمان أمن المدنيين وتهيئة الظروف لسلام عادل ومستدام يظل التحدى الأكبر امام المجتمع الدولى والمنطقة بأسرها
ستظل غزة عنوانا لمعاناة انسانية عميقة واختيارا حقيقا لمدى التزام العالم بقيم العدالة والقانون الدولى أما السلام الحقيقى فلن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها ولا بإدراة الأزمات المؤقتة بل بإيجاد تسوية عادله تعترف بحقوق الشعوب وتضع حدا لدائرة العنف التى استنزفت المنطقة لعقود طويلة فالتاريخ لا يخلد فقط من ينتصر فى ساحات القتال بل يخلد أيضا من ينتصر لقيم العدالة والإنسانية .