إحنا طول عمرنا بنقول «اللي بنى مصر كان في الأصل مُعَلِّم»، وكل واحد بيسمعها يفتكر إن المقصود مدرس واقف قدام السبورة، لابس نضارة، وماسك طباشيرة وبيشرح للطلبة درس الجغرافيا! لكن الحقيقة إن المُعَلِّم هنا هو المُعَلِّم المصري الأصلي… الصنايعي، صاحب الصنعة، اللي لو مسك الحاجة وهي بايظة يقول لك بمنتهى الثقة: «سيبها عليّا»، وبعد خمس دقايق تلاقيها اشتغلت، وبعد عشر دقايق تلاقيه بيقول لك: «بس متسألنيش أنا عملت فيها إيه!» المُعَلِّم زمان كان راجل له هيبة. الحَلْوَانِي مُعَلِّم، والنجار مُعَلِّم، والسباك مُعَلِّم، والنقاش مُعَلِّم، والحداد مُعَلِّم، والميكانيكي مُعَلِّم، وحتى اللي بيصلح لك الكاسيت في الحارة كان مُعَلِّم… لأن الراجل ده كان عنده خبرة تخليه يسمع صوت الحاجة وهي بتشتغل ويقول لك: «الصوت ده مش طبيعي»، وأنت أصلًا مش سامع أي صوت! المُعَلِّم الصنايعي كان عنده جهاز كشف أعطال مزروع في ودانه. العربية تعمل صوت «تك تك»، يقول لك: «دي بلية». المروحة تعمل «زن زن»، يقول لك: «الموتور». الحنفية تنقط، يقول لك: «الجوان». التلاجة تعمل صوت غريب، يقول لك: «الكمبروسر». وأنت واقف مذهول وتسأله: «عرفت منين؟» يقول لك بمنتهى الثقة: «خبرة يا حاج». ودي كلمة «خبرة» كانت كفيلة إنها تقفل أي نقاش. لو قال لك «خبرة»، خلاص… انتهى الاجتماع، وتم اعتماد القرار، وصدر الحكم، وأنت تدفع الفلوس! وأجمل حاجة في المُعَلِّم القديم إنك لما تسأله: «هتخلص إمتى؟» عمره ما يقول لك ميعاد واضح. يقول لك: «بكرة». وبكرة عند الصنايعية مش يوم من أيام الأسبوع، دي منطقة زمنية مجهولة بين النهارده وبعد العيد! تسأله يوم السبت: «خلصت يا معلم؟» يقول لك: «بكرة». تسأله الأحد: «خلصت؟» «بكرة إن شاء الله». تسأله الاثنين: «يا معلم إحنا دخلنا في التلات…» يقول لك: «ما أنا قلت لك بكرة!» وتكتشف في النهاية أن «بكرة» دي عنده مفهوم فلسفي، مش تاريخ على التقويم. والمُعَلِّم الحقيقي كان عنده شنطة عدة لو فتحتها تحس إنك فتحت خزينة آثار. مفتاح إنجليزي، مفكات، كماشة، شطرطون، سلك، مسمار، صامولة، حتة حديدة محدش يعرف بتاعة إيه، وحاجة صغيرة جدًا يقول لك: «دي أهم حاجة في الشنطة». تسأله: «بتاعة إيه؟» يقول لك: «هتحتاجها». ولا تعرف إزاي ولا إمتى ولا فين، لكنك متأكد إن اليوم اللي هترميها فيه هو نفس اليوم اللي هتحتاجها فيه! أما الحَلْوَانِي المُعَلِّم فده كان عالم لوحده. يدخل المحل الصبح، يلبس المريلة، ويبدأ يشتغل وكأنه داخل معمل كيمياء. سكر، دقيق، سمن، لبن، مكسرات، نار، صواني… وبعد شوية تطلع حاجة تخليك تنسى إنك كنت داخل تشتري كيلو سكر أصلاً! تقول له: «يا معلم عايز نص كيلو بسبوسة». يبص لك ويقول: «بالقشطة؟» تقول: «آه». «بالمكسرات؟» «آه». «تحبها سخنة؟» «آه». وبعدها تخرج من المحل وأنت شايل علبة حلويات، وضميرك بيقول لك إنك كنت داخل تشتري رغيفين عيش! وكانت الأسعار زمان لها بركة غريبة. تشتري حاجة وتدفع، وتمشي مبسوط. دلوقتي تدخل عند الصنايعي تقول له: «عايز أصلح الحنفية»، فيقول لك: «ألف جنيه». تقول له: «ليه؟» يقول لك: «المشكلة كبيرة». تقول له: «طب هي بتعمل إيه؟» يقول لك: «بتنقط». تقول له: «يعني نقطة مية؟» يقول لك: «أيوه». تقول: «طب ليه ألف جنيه؟» يرد عليك بمنتهى الهدوء: «يا حاج، إنت مش بتدفع تمن النقطة… إنت بتدفع تمن الخبرة!» وهنا تسكت، لأن كلمة «الخبرة» عند المصري لها حصانة دستورية. لكن بعيدًا عن الهزار، فعلًا «المُعَلِّم» المصري كان ولا يزال عنوانًا للصنعة والجدعنة والاعتماد على النفس. الراجل اللي يتعلم صنعة بإيده، ويقف على رجله، ويطلع منها رزقه بالحلال، ويعلّم غيره من بعده، ده في حد ذاته مدرسة كاملة. المُعَلِّم زمان كان عنده صبي، والصبي ده يبدأ من أول المكنسة. يكنس الورشة، يناول الأدوات، يتفرج، يتعلم، يغلط، يتبهدل شوية، وبعد سنوات يصبح هو نفسه مُعَلِّمًا، ويفتح ورشة، ويجيب صبيًا جديدًا، وتستمر الحكاية. يعني الصنعة كانت بتورث خبرة، مش مجرد شغلانة. وكان المُعَلِّم يعرف إن قيمة الإنسان مش في الكلام الكتير، لكن في إيده لما تشتغل، وفي عقله لما يفكر، وفي ضميره لما يخلص الشغل. وعشان كده، لما نقول «اللي بنى مصر كان في الأصل مُعَلِّم»، فإحنا مش بنتكلم عن شخص واحد. إحنا بنتكلم عن ملايين الصنايعية اللي بنوا بيوتنا، وصلحوا عربياتنا، صنعوا أبوابنا وشبابيكنا، عملوا أثاثنا، طبخوا حلوياتنا، وخلوا الحياة ماشية حتى لو الدنيا نفسها كانت محتاجة صيانة! المُعَلِّم المصري كان يعرف يعمل من القليل كتير. قطعة حديد صغيرة يحولها لأداة. خشبة قديمة يطلع منها حاجة نافعة. موتور بايظ يحاول يرجعه للحياة. وقطعة غيار مش موجودة يقول لك: «هنعملها». ودي أخطر جملة ممكن تسمعها من صنايعي مصري: «هنعملها». لأنك بعدها ممكن تكتشف إن الحاجة اللي كنت فاكر إنها محتاجة تتغير كلها، اتصلحت بسلك، ومسمار، وحتة كاوتش، وشوية دعاء! ولو سألت المُعَلِّم: «إنت متأكد إنها هتشتغل؟» يرد عليك: «سيبها عليّا». ودي الجملة اللي قامت عليها الحضارة المصرية الحديثة! سيبها عليّا… ونشوف! ومن هنا يمكن نفهم فعلًا ليه مصر اتبنت على أيدي الصنايعية. لأن البلد دي عمرها ما كانت بتقوم بالكلام فقط. كانت بتقوم على إيد نجار، وحداد، وبنّاء، وحلواني، وسباك، ونقاش، وميكانيكي، وخياط، وفني، وفلاح، وكل واحد كان بيصحى الصبح وينزل يشتغل وهو عارف إن لقمة عيشه مرتبطة بعرق جبينه. لكن الزمن اتغير، والمُعَلِّم بقى محتاج مُعَلِّم يعلمه إزاي يعيش مع الأسعار الجديدة، وإزاي يشتري عدة من غير ما يبيع العِدة القديمة، وإزاي يصلح بيت الزبون من غير ما الزبون يصلح فيه! ومع ذلك، تفضل كلمة «يا معلم» لها طعم مختلف. تقولها لراجل كبير في السن، تلاقيه ابتسم. تقولها لصنايعي شاطر، تلاقيه فرحان. تقولها لحد صاحب صنعة، كأنك بتقول له: «أنا شايف تعبك وخبرتك». وفي زمن أصبح فيه بعض الناس يريدون لقبًا أكبر من شغلهم، يظل المُعَلِّم الحقيقي لا يحتاج لقبًا كبيرًا. يكفي أن يقول لك: «أنا صنايعي»، ثم يمد إيده على الشغل، وبعد دقائق تعرف بنفسك معنى الكلمة. وعشان كده، لو سألتني مين بنى مصر؟ هقول لك: اللي بنى مصر كان في الأصل مُعَلِّم. مش معلم سبورة وطباشيرة… ده مُعَلِّم بإيده وعقله وخبرته وعرقه. مُعَلِّم يعرف إن المسمار له مكان، والمفتاح له مقاس، والشغل له أصول، والرزق له باب، والزبون له احترام. وممكن جدًا بعد كل الكلام ده، تروح للمُعَلِّم تصلح حاجة وتقول له: «كام يا معلم؟» يبص لك ويقول: «ولا حاجة يا حاج… سيبها علينا». وبعد ما تمشي بخطوتين تسمعه بينادي: «يا حاج… استنى بس، نسيت أجرة الصنايعي!» فتضحك وتقول: «أهو كده اتأكدنا إن الحضارة المصرية لسه بخير!»