عبدالرحيم عبدالباري
من لحظة الاصطدام العنيف بين سيارتي نقل محملتين بالعمال في منطقة الدواويس بالإسماعيلية، بدأت واحدة من أصعب ساعات التعامل مع حادث جماعي داخل المحافظة، مشهد إنساني قاسٍ ارتفعت معه أعداد الضحايا سريعًا، بينما تحركت سيارات الإسعاف والفرق الطبية لنقل المصابين إلى المنشآت الصحية القادرة على التعامل مع الحالات الحرجة، ولم تكن صعوبة اللحظة في حجم الإصابات فقط، وإنما في ضرورة اتخاذ قرارات سريعة بشأن الفرز الطبي وتحديد أولويات العلاج وتوزيع الحالات على أكثر من مستشفى، بما يمنع تكدس الإصابات داخل منشأة واحدة، ويضمن وصول كل مصاب إلى التخصص والإمكانات التي تتناسب مع حالته، ومع تطور عمليات الحصر والتقييم الطبي استقرت الحصيلة المعلنة عند 18 حالة وفاة، فيما واصل 17 مصابًا تلقي العلاج، بينما خرج 13 مصابًا بعد تحسن حالتهم، لتكشف الأرقام عن حجم هائل من الضغط الذي واجهته المنظومة الصحية خلال ساعات قليلة.
القصة لم تتوقف عند نقل المصابين من موقع الحادث إلى المستشفيات، فالساعات التالية كانت بمثابة سباق مع الوقت داخل أقسام الاستقبال والطوارئ وغرف العمليات والعناية المركزة، حيث احتاجت الحالات إلى تقييم سريع وتدخلات مختلفة بحسب طبيعة الإصابات، ولذلك جرى توزيع المصابين على عدد من منشآت هيئة الرعاية الصحية بالإسماعيلية، من بينها المجمع الطبي بالإسماعيلية ومستشفيات أبو خليفة والقصاصين والتل الكبير، وهو توزيع يحمل دلالة مهمة في قراءة طريقة إدارة الأزمة، إذ إن التعامل مع حادث بهذا الحجم لا يعتمد على قدرة مستشفى منفرد، وإنما على قدرة شبكة المنشآت الصحية على العمل في توقيت واحد وبدرجة عالية من التنسيق، بحيث تتحول الإمكانات المتفرقة داخل المحافظة إلى منظومة واحدة قادرة على استقبال عشرات الحالات في وقت متقارب دون أن تفقد السيطرة على مسار العلاج.
وبينما كانت الفرق الطبية تخوض معركتها داخل المستشفيات، كانت البيانات تتغير تباعًا مع استكمال عمليات الحصر وتقييم الحالات، وهو أمر طبيعي في الحوادث الجماعية التي تكون فيها الدقائق الأولى محكومة بالمعلومات الأولية، ثم تبدأ الصورة في الاكتمال مع وصول المصابين إلى المستشفيات وظهور نتائج الفحوص والتدخلات الطبية، ولذلك فإن الانتقال من الأرقام الأولية إلى الحصيلة الأحدث لا ينبغي قراءته باعتباره ارتباكًا في حد ذاته، وإنما باعتباره انعكاسًا لحالة ميدانية متحركة تحتاج إلى تحديث مستمر، والأهم أن الرقم النهائي أصبح مرتبطًا بتقييم طبي فعلي لحالات المصابين ومتابعة تطوراتهم، وهو ما جعل زيارة قيادات وزارة الصحة إلى المستشفيات في تلك اللحظة ذات أهمية مضاعفة، لأنها جاءت في مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى معرفة ما يحدث داخل غرف العلاج وليس فقط ما حدث في موقع الحادث.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة والسكان، بتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، لتضع المستشفيات التي استقبلت المصابين تحت متابعة مباشرة من الوزارة، حيث حرص نائب الوزير خلال جولته على الاطمئنان على الحالات، ومراجعة التقارير الطبية، ومتابعة ما تم تقديمه من تدخلات علاجية وجراحية، والتأكد من توافر الأدوية والمستلزمات والاحتياجات الطبية اللازمة لاستكمال العلاج، كما كان الجانب الإنساني حاضرًا بقوة في الزيارة من خلال التواصل مع المصابين وأسرهم والاطمئنان عليهم، وهو ما جعل الزيارة تتجاوز الشكل البروتوكولي المعتاد، لتصبح متابعة ميدانية لمسار الأزمة منذ لحظة استقبال الحالات وحتى استمرار الرعاية الطبية، خاصة أن بعض المصابين كانوا لا يزالون يحتاجون إلى متابعة دقيقة ورعاية متقدمة.
ورافق الدكتور عمرو قنديل خلال جولته عدد من قيادات المنظومة الصحية بالإسماعيلية، وفي مقدمتهم الدكتورة ريم مصطفى، مدير مديرية الشؤون الصحية بالإسماعيلية، والدكتور محمد جبريل، مدير عام فرع هيئة الرعاية الصحية بالإسماعيلية، إلى جانب مسؤولي المنشآت والفرق الطبية المعنية بمتابعة الحالات، وهو حضور يعكس طبيعة التنسيق بين وزارة الصحة ومديرية الشؤون الصحية وهيئة الرعاية الصحية في إدارة تداعيات الحادث، فالمشهد لم يكن تحركًا منفصلًا لجهة واحدة، وإنما كان تعاونًا بين مستويات مختلفة من المنظومة الصحية، كل منها يتحمل جانبًا من مسؤولية المتابعة والاستجابة، بينما كانت الأولوية المشتركة هي الحفاظ على استقرار المصابين وتوفير كل ما تحتاجه الحالات من إمكانات بشرية وطبية، وهو ما أعطى الزيارة بعدًا عمليًا يتجاوز مجرد الاطمئنان إلى المصابين إلى تقييم قدرة المنشآت على مواصلة التعامل مع الأزمة.
ومن زاوية تحليلية، فإن واحدة من أهم الرسائل التي كشفت عنها واقعة الإسماعيلية تتمثل في اختبار قدرة شبكة المستشفيات على توزيع الأحمال الطبية في لحظات الطوارئ، فاستقبال عشرات الحالات في توقيت واحد يضع أي منظومة صحية أمام تحديات حقيقية تبدأ من سرعة الفرز وتنتهي بقدرة غرف العمليات والعناية المركزة على استيعاب الحالات التي تحتاج إلى تدخلات متقدمة، وبينهما سلسلة طويلة من الإجراءات تشمل الأشعة والتحاليل والدم والمستلزمات والأدوية والتمريض والمتابعة، ولذلك فإن نجاح التعامل مع مثل هذه الحوادث لا يمكن قياسه فقط بعدد المصابين الذين وصلوا إلى المستشفيات، وإنما بقدرة المنظومة على استمرار تقديم الرعاية لهم دون أن تتراجع جودة الخدمة، وهنا تظهر أهمية وجود أكثر من منشأة جاهزة للعمل كفريق واحد، لأن قوة الاستجابة في الحوادث الكبرى تقاس بقدرة الشبكة كلها وليس بقوة نقطة واحدة داخلها.
والأرقام نفسها تحمل وجهين متناقضين في قراءة المشهد، الوجه الأول شديد القسوة ويتمثل في 18 وفاة، وهي حصيلة ثقيلة تعني أن الحادث خلف أسرًا فقدت أبناءها وذويها في لحظات، بينما الوجه الآخر يتمثل في المصابين الذين نجحت الفرق الطبية في التعامل معهم، وفي مقدمتهم 13 حالة غادرت المستشفيات بعد تحسن حالتها، مع استمرار 17 مصابًا تحت العلاج والمتابعة، وهنا تصبح الأرقام أكثر من مجرد إحصاءات تستخدم في البيانات الرسمية، لأنها تكشف حجم المسؤولية التي تحملتها الفرق الطبية منذ وصول الحالات، وتوضح أن المعركة لم تنته بانتهاء لحظة الإنقاذ، بل استمرت داخل المستشفيات لساعات طويلة، وربما لأيام بالنسبة للحالات الأكثر خطورة، ولهذا فإن المتابعة الوزارية لم تكن رفاهية إدارية، وإنما جزءًا من إدارة الأزمة والتأكد من أن المصابين يحصلون على فرصتهم الكاملة في العلاج والتعافي.
وفي النهاية، فإن المشهد الممتد من لحظة وقوع حادث الدواويس وحتى زيارة الدكتور عمرو قنديل يكشف أن الإسماعيلية لم تكن أمام حادث مروري عابر، وإنما أمام اختبار حقيقي لقدرة منظومتها الصحية على التعامل مع أزمة جماعية مفاجئة، وقد وضعت الأرقام المستشفيات أمام مسؤولية ثقيلة، بينما كشفت عملية توزيع الحالات وتكامل المنشآت عن أهمية العمل الشبكي في مواجهة الكوارث، وجاءت زيارة نائب وزير الصحة لتؤكد أن عين الوزارة ظلت على المصابين داخل المستشفيات وليس فقط على موقع الحادث، وأن تقييم الاستجابة لا ينتهي بخروج سيارات الإسعاف من موقع التصادم، بل يستمر حتى تستقر الحالات ويحصل كل مصاب على الرعاية التي يحتاجها، وبين قسوة الـ18 وفاة وأمل خروج 13 مصابًا بعد تحسنهم، تبقى الرسالة الأهم أن إدارة الكوارث الصحية الحقيقية تبدأ من سرعة الاستجابة، لكنها لا تكتمل إلا بالمتابعة الدقيقة، والتنسيق بين مؤسسات المنظومة، ووضع حياة المصاب في مقدمة كل قرار