في ذكرى رحيل واحد من كبار الذين جعلوا التاريخ دراما، وجعلوا من الدراما نافذة نطل منها على تاريخنا وذاكرتنا ووجداننا، نستعيد سيرة الكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن؛ الرجل الذي لم يكتب التاريخ كما هو في الكتب، وإنما أعاد اكتشافه على الشاشة والمسرح، ومنحه حياة أخرى لا تزال تسكن ذاكرة المشاهد العربي.
رحم الله محفوظ عبدالرحمن، وجعل مثواه الجنة، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
وُلد محفوظ عبدالرحمن في 11 يونيو 1941، وتخرج في جامعة القاهرة، ثم بدأ رحلته المهنية بين الصحافة والثقافة والتاريخ، فعمل في دار الهلال، ثم في وزارة الثقافة بدار الوثائق التاريخية، كما تولى سكرتارية تحرير عدد من المجلات، منها مجلة السينما، ومجلة المسرح والسينما، ومجلة الفنون.
وفي الفترة من 1974 إلى 1978 عمل في تلفزيون الكويت، وهناك قدم عددًا من الأعمال المهمة، قبل أن يستقيل من وزارة الثقافة عام 1982، ويتفرغ للكتابة التي أصبحت مشروع حياته الحقيقي.
لم يكن محفوظ عبدالرحمن مجرد كاتب سيناريو، بل كان صاحب رؤية. كان يعرف أن التاريخ ليس تواريخ وأسماء ومعارك فقط، وإنما بشرٌ لهم أحلامهم ومخاوفهم وانكساراتهم وأطماعهم وأسئلتهم. لذلك حين تناول شخصية تاريخية أو حدثًا سياسيًا، كان يبحث عن الإنسان المختبئ خلف صفحات الكتب.
ومن أشهر أعماله السينمائية ناصر 56 عام 1996، وحليم عام 2005 من إخراج شريف عرفة، إلى جانب القادسية. وفي التلفزيون ترك إرثًا كبيرًا من الأعمال التي أصبحت علامات في الدراما العربية، من بينها أم كلثوم، وبوابة الحلواني، وسليمان الحلبي، وعنترة، وليلة سقوط غرناطة، والسندباد، والكتابة على لحم يحترق، وقابيل وهابيل، ومحمد الفاتح.
وكان مسلسل أم كلثوم واحدًا من أبرز محطات تجربته؛ فقد استطاع أن يحول سيرة كوكب الشرق من مجرد حكاية عن مطربة عظيمة إلى دراما إنسانية عن الطموح والكفاح والفن والسلطة والمجتمع.
كما كتب أول أعماله التلفزيونية العودة إلى المنفى، عن قصة أبو المعاطي أبو النجا، وامتدت تجربته إلى المسرح، فقدم أعمالًا مثل حفلة على الخازوق، وعريب لبنت السلطان، والحامي والحرامي، وكوكب الفيران، والسندباد البحري، والفخ، والدفاع، ومحاكمة السيد م، واحذروا، وما أجملنا.
وحصل محفوظ عبدالرحمن على عدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الدولة التشجيعية عام 1972، وجائزة أحسن مؤلف مسرحي عام 1983 من الثقافة الجماهيرية، والجائزة الذهبية من مهرجان الإذاعة والتليفزيون عن مسلسل أم كلثوم، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2002، إلى جانب تكريمات أخرى تقديرًا لمسيرته وإبداعه.
لكن قيمة محفوظ عبدالرحمن الحقيقية لا تختصرها الجوائز.
قيمته في أن أجيالًا كاملة عرفت التاريخ من خلال كلماته، وتعرفت إلى شخصياته الكبرى لا باعتبارها تماثيل فوق صفحات الكتب، وإنما باعتبارها بشرًا عاشوا، وحلموا، وخافوا، وأخطأوا، ودفعوا ثمن اختياراتهم.
كان يكتب التاريخ بعين الكاتب، لا بعين المؤرخ فقط؛ ولذلك بقيت أعماله حاضرة حتى بعد رحيله.
رحل محفوظ عبدالرحمن، لكن الحكايات التي تركها لم ترحل.
فكلما عادت أم كلثوم إلى الشاشة، وكلما استعاد المشاهد ناصر 56، وكلما عبرت الدراما من بوابة التاريخ، عاد الرجل الذي آمن بأن الماضي لا يموت، وأن الحكاية الجيدة تستطيع أن تمنح الموتى صوتًا جديدًا.
رحم الله محفوظ عبدالرحمن، حكّاء التاريخ بالفن، وأحد الذين ناصروا الدراما العربية بالكلمة والفكرة والوعي.
#فرحات_جنيدي