هناك مشاهد لا تحتاج إلى كثير من الكلمات حتى تقول لك ما وراءها. وأحيانا تكفي صورة مهندس مصري يقف وسط أرض إفريقية، يعمل مع زملائه بعيدًا عن بيته وأسرته، لتذكرك بأن علاقة مصر بإفريقيا ليست مجرد اتفاقيات أو مؤتمرات أو بيانات دبلوماسية، وإنما علاقة إنسانية صنعتها أجيال من المصريين الذين حملوا خبراتهم إلى القارة، وشاركوا أهلها في البناء والعمل والحلم بمستقبل أفضل.
وربما لهذا توقفت كثيرًا أمام مشاركة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسي، في افتتاح سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية في تنزانيا. لم أتوقف أمام المشهد باعتباره افتتاح مشروع هندسي ضخم فقط، وإنما باعتباره لحظة تختصر الكثير من حكاية مصر في إفريقيا. فخلف هذا السد يقف مهندس مصري، وعامل مصري، وخبرة مصرية، وشركة مصرية، وعرق وجهد سنوات، لكن الأهم أن وراءه فكرة بسيطة وواضحة: أن أفضل ما يمكن أن تقدمه مصر لإفريقيا هو أن تشاركها في البناء. ومن هنا يصبح «جوليوس نيريري» أكثر من سد ومحطة كهرباء، فهو رسالة مصرية بلغة يفهمها الجميع.. لغة العمل والإنجاز.
المشروع، الذي نفذته الشركات المصرية ممثلة في تحالف «المقاولون العرب» و«السويدي إليكتريك»، بمشاركة نحو 1700 مهندس وفني مصري، ضمن فريق عمل ضم آلاف العاملين من مصر وتنزانيا، وعلى مدى نحو خمس سنوات، ويوفر نحو 2115 ميجاوات من الكهرباء، يمثل نموذجًا عمليًا لما يمكن أن تصنعه الشراكة المصرية الإفريقية عندما تتحول النوايا إلى مشروعات على الأرض.
مصر لا تعارض حق الدول الإفريقية في التنمية واستغلال مواردها، وإنما تؤكد أن التنمية حق للجميع، وأن التعاون واحترام مصالح جميع الأطراف هما الطريق الأكثر استدامة لتحقيقها.
وهذا هو جوهر الموقف المصري من قضايا المياه، فالقضية ليست في إقامة المشروعات، وإنما في أن تتم المشروعات على الأنهار والموارد المائية المشتركة في إطار من التعاون والتنسيق، وبما لا يضر بمصالح الدول الأخرى.
وتكتسب مشاركة مصر في افتتاح «جوليوس نيريري» دلالة أكبر في ظل التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن بناء سدود جديدة ورفض الإدارة المشتركة لسد النهضة. ففي الوقت الذي تحاول فيه بعض الخطابات تقديم مصر باعتبارها عائقا أمام التنمية في دول حوض النيل، تأتي مصر إلى تنزانيا لتشارك في افتتاح مشروع تنموي كبير نفذته شركاتها وخبراتها في دولة من دول الحوض. وهنا لا تحتاج القاهرة إلى معركة إعلامية طويلة للدفاع عن موقفها، فالمشروع نفسه يقدم الإجابة.
لقد تحولت الخبرة المصرية في تنزانيا إلى قيمة مضافة حقيقية للقارة، وأثبتت أن العلاقات الإفريقية يمكن أن تُبنى على مشروعات يستفيد منها المواطن مباشرة، وأن التعاون يمكن أن يكون طريقًا للتنمية بدلًا من أن تكون المياه سببا للصراع.
وحين يشارك رئيس الوزراء المصري، نيابة عن الرئيس السيسي، في افتتاح مشروع شارك المصريون في بنائه، فإن الرسالة تتجاوز تنزانيا إلى كل إفريقيا: مصر تريد لإفريقيا أن تتقدم، ولكنها تريد أن تتقدم إفريقيا كلها، لا أن تتقدم دولة على حساب أخرى. تريد أن تتحول الأنهار إلى جسور للتنمية، لا خطوطًا للصراع، وأن تكون المشروعات الكبرى عنوانًا للشراكة، لا أدوات لفرض الأمر الواقع.
وهكذا، لا ترد مصر على الادعاءات بالكلمات، وإنما بمشروع قائم على الأرض. “جوليوس نيريري”.. حين تتحدث مصر بلغة التنمية، تتراجع الادعاءات.