تأثرت جدا منذ طفولتى بشوارع الحى الذى ولدت وعشت فيه .. حى مصر الجديده … فيه مارست افراحى واحزانى .. فشلى ونجاحى .. حتى وحدتى مارستها فى هذا الحى العريق .. وشوارعه العتيقه … وشوارع مصر الجديده كلها ( حواديت ) .. ولعلى اتذكر الان كلمات الشاعر الراحل صلاح جاهين (( الشوارع حواديت )) … امس قمت انا وصديق الطفوله الدكتور / مازن جريانى بجوله فى شوارع مصر الجديده ( مشينا ) فى ممر الذكريات الذى اعاد الينا ذكريات الماضى .. حتى الفجر .. ثم عاد كل منا الى منزله …
انا شخصيا ( هزمت النوم ) ولست ادرى ماالسر الذى دفعنى للتوجه الى الملفات الموسيقيه التى احتفظ بها .. واول ماجاءت عينى عليه فى ملفات الموسيقى مجموعة الاعمال الموسيقيه للموسيقار الراحل / هانى شنوده .. ثم شد انتباهى موسيقى ( ولاعزاء للسيدات ) احد اهم واعظم واروع افلام سيدة الشاشه العربيه فاتن حمامه .. ومن افضل الاعمال التى كتبتها الاديبه الكبيره السيده ( كاتيا ثابت ) وشاركت المنتج والمؤلف سمير عبد العظيم .. شاركته فى كتابة السيناريو ..
موسيقى الراحل هانى شنوده اخذتنى الى احداث الروايه التى و( بلا مبالغه ) شاهدتها خمس مرات … لان موضوع الفيلم بالغ الاهميه .. يناقش الفيلم وضع المراة المطلقة، والعاملة والمتزوجة وصورتها امام الناس وامام زوجها. ناقدا النظرة الرجعية لملابس المراة الذي للكثير من الناس يعد حكما لاخلاقها وسلوكها. واقوى مافى هذا الفيلم انه يسلط الضوء بشكل غير مباشر على ان المجتمع يقدس الاشاعات متجاهلا الحقائق من دون فائدة تعود إليه..
مع الذكريات ومن خلال الاستماع الى موسيقى هانى شنوده اجد نفسى سابحا فى بحار الذكريات … والحزن يسيطر على كل مشاعرى .. نعم .. نعم … حزين على مجتمع يعشق الغيبة والنميمه يعشق ( الاشاعات ) فى كل شيئ واى شيئ وحتى اللاشيئ !!
مجتمع تسيطر على 80 % منه ( التفاهة ) والفراغ والاستمتاع ( المطلق ) بالاشاعات الكاذبه فاصبحت الضبابيه تسيطر على المشهد بالكامل .. فلم نعد نرى الحقيقه من كثرة ( القيل والقال ) ومن كثرة الكلام الكاذب .. والكم الرهيب من الاشاعات .. فاصبحت ضبابية المشهد تعبر عن عدم وضوح الأمور التى ينبغى ان تكون واضحه .. وكذلك صعوبة معرفة أو توقع ما سيحدث في المستقبل لعدم اليقين… والشك فى كل شيئ
اصحاب القلوب السوداء اغتالوا اصحاب القلوب البيضاء بالغيبة والنميمه والاشاعات المدمره …
شياطين استطاعوا تشويه صور الابرياء باشاعات قذره تمس الشرف والعرض والامانه والاخلاق …
كم من سيده فاضله دمرت الاشاعات بيتها وانهت علاقتها الزوجيه ودمرت نفسية الابناء بعد انفصال الوالدين بسبب الاشاعات ..
كم من ابرياء هذا المجتمع قطعت الاشاعات ارزاقهم .. كم من قلوب بيضاء فرقت القلوب السوداء بينهم وبين معارفهم واصدقاء عمرهم ..
كم من شخصيات شديدة الاحترام والرقى والتحضر دمرتهم الاشاعات وجعلت اقرب الناس اليهم يكرهونهم ..
كم شخص تعرض للاشمئزار والتقزز من الناس بسبب اشاعه قذره تتعلق بشرفه وسمعته واخلاقه …
كم شخص تبتعد عنه الناس بسبب مايقال عنه كذبا ( وافتراءً )
كم مظلوم فى هذا المجتمع بسبب القيل والقال ؟
فعلا ( ضبابية المشهد ) تؤكد انه يصعب تغيير سلوك هذا المجتمع الذى كان ولايزال ضحية الجهل .. الجهل بالدين والاخلاق والقيم والمبادئ
انا لاارأى (مشهد واضح) امامى .. بل العكس ارى ان 80% من هذا المجتمع يدمر نفسه بنفسه بكثرة الكلام ونشر الاشاعات عن كل شيئ .. وفى كل شيئ .. اشاعات حول الدوله واجهزتها .. اشاعات حول الشخصيات العامه .. اشاعات تتعلق بالمستقبل .. رغم ان المستقبل هو فى علم الغيب ولااحد يعلم الغيب الا الله .. اشاعات حول الاثرياء واهل الفن .. اشاعات حول حياة من لاذنب لهم فى هذا الشر الذى يمارسه كل قلب اسود فى هذا المجتمع الذى اصبح من المجتمعات الاكثر تخلفا ورجعيه .. وتدنى فى السلوك والاخلاق .. وانهيار للقيم والمبادئ …
اشاعات قد تكون كما قال احد علماء الازهر سببا فى زرع الشكوك بين أبناء المجتمع الواحد، مما يؤدي إلى إضعاف الروابط الاجتماعية وتسهيل عمليات السيطرة عليهم، كما أنها تفتح المجال للتدخلات الخارجية، حيث تلعب الأخبار المضللة والإعلام الموجه دورا رئيسيا في تضخيم الأحداث وإضفاء أبعاد غير واقعية عليها، مما يسهم في تأجيج المشاعر والانقسامات.
صراع بين القلب الابيض والقلب الاسود … وقفت عنده كل الاديان السماويه كل الكتب السماويه حرمت هذا السلوك السيئ وأدركت خطورة الشائعات وما تسببه من ظلم للأفراد .. وهدم للعلاقات الاجتماعية، وزعزعة استقرار المجتمعات.. فهي ليست مجرد أخبار كاذبة، بل أدوات خطرة تستخدم لإثارة الفتن، والتأثير على الرأي العام، وزرع الشكوك بين الناس .. ولذلك وضعت كل الاديان منهجا صارما في التعامل مع الأخبار، يقوم على التثبت والتحقق قبل تصديق أية معلومة أو نشرها ..
للاسف الشديد ان استمر هذا السلوك دون رادع .. دون مواجهة .. دون التصدى له .. للاسف ستظل ضبابية المشهد قائمه حتى يوم الدين .. وسيظل القلب الابيض يعانى من سلوك القلب الاسود حتى يحين انتقام العزيز الجبار …
انتهت السباحه ( مؤقتا ) فى بحر الذكريات وكانت مفاجأه ان موسيقى فيلم ولاعزاء للسيدات انتهت وانا فى عمق بحر الذكريات .. ولكن الحنين الى الماضى دفعنى الى الاستماع مره ثانيه لعمل من اعمال هانى شنوده الموسيقيه فاخترت اغنية ( الشوارع حواديت ) من اروع ماكتب الشاعر الراحل العظيم صلاح جاهين وهى ايضا من اروع اعمال هانى شنوده الموسيقيه ..
والله .. والله نسيت الاحزان وانا اسمع كلمات اغنية الشوارع حواديت ..
حودايه الحب فيها وحودايه عفاريت .. اسمعي يا حلوة لما أضحكك :
الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان .. كل يوم يضيق زيادة عن ما كان
أصبح الآن بعد ما كبرنا عليه زي بطن الأم ما لناش فيه مكان .. الشوارع حواديت .. الشارع ده روحنا فيه المدرسة .. اللي باقي منه باقي واللي مش باقي اتنسى .. كنسوه الكناسين بالمكنسة .. ييجي دور لحظة أسى أنا برضه كمان نسيت …. الشارع ده أوله بساتين وآخره حيطة سد .. ليّ فيه قصة غرام ما حكتش عنها لأي حد .. من طرف واحد وكنت سعيد قوي … بس حراس الشوارع حطوا للحدودتة حد.. والشارع ده شفتك إنت ماشية فيه لابسة جيب وبلوزة وردي وعاملة ديل حصان وجيه .. إتجاهك إتجاهي مشينا ليه ..
والشارع ده زحام وتيه بس لازم نستميت .. والشوارع حواديت حوداية الحب فيها وحوداية عفاريت واضحكي يا حلوة لما أسمعك …
رحم الله هانى شنوده وصلاح جاهين وسيدة الشاشه العربيه فاتن حمامه
ولا رحمه ابدا لاصحاب القلوب السوداء .. والمشهد لن تكون فيه ضبابيه ابدا ان شاء الله .. لان مصر ( الوطن ) سيظل قلبها الابيض ناصع البياض …
شكرا فريق ( دايركشن تو ) وفى المقدمه الدكتور / مازن جريانى …