ليست كل الزيارات بين رؤساء الدول مجرد جدول بروتوكولي يبدأ بالاستقبال وينتهي بالصور والبيانات الرسمية، فهناك زيارات يفرض عليها التوقيت أن تقول اكثر مما يقال في المؤتمرات الصحفية، وأن تحمل رسائل تتجاوز الكلمات المكتوبة وزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ الى مصر واحدة من تلك اللحظات التي يصعب فصلها عن المشهد الكبير الذي يحيط بالمنطقة فالعالم اليوم لا يعيش ايامه بهدوء، وخرائط النفوذ تتحرك والاقتصادات الكبرى تبحث عن طرق اكثر امنا لتجارتها والممرات البحرية اصبحت جزءا من حسابات السياسة والاقتصاد، بينما يقف الشرق الاوسط مرة اخرى امام مرحلة مفتوحة على احتمالات كثيرة.. وفي وسط هذه الصورة كان اختيار القاهرة لافتا، فمصر دولة يعرف الجميع وزن موقعها عندما تبدأ الحسابات في هذه المنطقة.. هنا قناة السويس، وهنا بوابة افريقيا، وهنا واحدة من اكبر الدول العربية، وهنا دولة استطاعت رغم كل ما جرى حولها ان تحافظ على علاقات مفتوحة مع عواصم تختلف فيما بينها، وان تصنع لنفسها مساحة تتحرك فيها وفق مصالحها الوطنية.
ولهذا السبب جاءت زيارة الرئيس الصيني الى القاهرة في هذا التوقيت، فبكين التي تتحرك اليوم باعتبارها واحدة من اكبر القوى المؤثرة في العالم، تدرك ان الشرق الاوسط لم يعد بعيدا عن مصالحها، وان ما يحدث في البحر الاحمر او الخليج او الممرات التجارية لا يبقى داخل حدود المنطقة.. فالمصانع والاسواق وسلاسل الامداد جعلت العالم اكثر ترابطا، وحركة التجارة والطاقة باتت مرتبطة بشكل مباشر بالاستقرار السياسي والامني، ومن هنا يصبح الوصول الى القاهرة جزءا من فهم المشهد وليس مجرد زيارة عابرة.
واللافت ان مصر لا تتعامل مع علاقتها بالصين باعتبارها بديلا عن احد، وهذه واحدة من اهم ملامح السياسة المصرية. فالقاهرة تتحدث مع الشرق دون ان تغلق ابواب الغرب وتحافظ على شراكاتها التقليدية، وفي الوقت نفسه تفتح مساحات جديدة مع القوى الصاعدة.. انها سياسة تقوم على حماية القدرة على الحركة واستقلال القرار في عالم يريد من الدول احيانا ان تختار بسرعة بين هذا الطرف او ذاك، بينما اختارت مصر ان يكون معيارها الاساسي هو مصالحها الوطنية.
ومن هنا تصبح زيارة الرئيس الصيني اكثر اهمية من مجرد الاتفاقيات والاستثمارات، لانها تؤكد ان القاهرة ما زالت رقما حاضرا في معادلة دولية لا تسمح بتجاهلها.. اما الصين، فلم يعد حضورها الدولي مرتبطا بالمصانع والمنتجات والتجارة فقط، فالقوة الاقتصادية الكبيرة تحتاج الى طرق امنة واسواق مستقرة وشركاء يمكن الاعتماد عليهم، ومن الصعب ان تجد في الشرق الاوسط دولة تجمع ما تمتلكه مصر من موقع جغرافي وثقل سياسي وامتداد عربي وافريقي وعلاقات دولية متوازنة.
ولهذا فان الحوار بين القاهرة وبكين لا يبدأ من الصفر، فهناك تاريخ طويل من العلاقات والتعاون، لكن اللحظة الحالية تضيف بعدا جديدا الى هذا المسار لان المنطقة نفسها تغيرت والسؤال لم يعد فقط ماذا ستستفيد الدولتان من التعاون، بل ماذا يمكن لهذا التقارب ان يضيف الى منطقة تحتاج الى الاستقرار، والى قوى قادرة على فتح مسارات للحوار بدلا من توسيع دوائر التوتر؟
فالعالم لا يحتاج دائما الى من يملك السلاح الاقوى، بل يحتاج ايضا الى من يملك القدرة على فتح باب مغلق، ومصر تملك هذه القدرة في كثير من الملفات، بينما تملك الصين تأثيرا اقتصاديا وسياسيا لا يمكن تجاهله.. وبين القدرة على التواصل والتأثير يمكن ان تولد فرص جديدة لا تظهر بالضرورة في البيانات الرسمية.
قد لا تنهي زيارة رئيس صراعا، وقد لا تغير لقاءات القمة وحدها خرائط المنطقة، لكن السياسة لا تتحرك دائما امام الكاميرات، وبعض اهم التحولات تبدأ من لحظة تفاهم، او من مساحة ثقة، او من حوار يقرر طرفان ان الوقت قد حان لبدئه ولهذا فان قراءة زيارة الرئيس الصيني الى القاهرة يجب الا تتوقف عند لحظة الوصول او حجم الاتفاقيات، بل عند ما وراء المشهد.
القاهرة تستقبل قوة كبرى وهي تعرف جيدا قيمة موقعها ودورها وفي النهاية قد تكون احدى اهم رسائل هذه الزيارة ان مصر لا تزال نقطة التقاء في زمن تتسع فيه مسافات الخلاف وان الصين وهي تتحرك بثقلها الاقتصادي والسياسي تعرف ان الطريق الى فهم الشرق الاوسط لا يمكن ان يتجاهل القاهرة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، بسياسة صنعت لمصر مساحة مستقلة في عالم مزدحم بالمحاور، فلم يضع القاهرة في جيب قوة كبرى، ولم يغلق بابا في وجه شريك، بل جعل من استقلال القرار الوطني قاعدة تتحرك منها مصر الى الجميع، شرقا وغربا، حاملة مصلحة شعبها اولا وهنا لا تبحث الدولة التي يقودها رئيس يعرف قيمة موقعها وتاريخها عن مكان يمنحه لها احد، بل تتحرك من موقع يعرف كيف يصنع الحضور ويفرض احترامه.
ورسالتنا في النهاية واضحة: مصر لا تبحث عن مكان يمنحه لها احد، ولا تنتظر دعوة للجلوس على طاولة رسم المستقبل، فمكانها تصنعه بتاريخها وموقعها وقدرتها على حماية قرارها الوطني.. تتعاون مع من يريد التعاون وتفتح ابوابها لمن يأتي بالسلام والتنمية، لكنها لا تقبل ان تكون ساحة لتصفية الصراعات ولا ورقة في يد اي قوة.. فالقاهرة التي تتحدث اليوم مع بكين، تتحدث ايضا مع العالم، ورسالتها للجميع واحدة: مصالحنا نحددها نحن، وقرارنا تكتبه ارادتنا، ومصر ستبقى دولة تعرف كيف تمد يدها للتعاون، لكنها تعرف ايضا كيف تحمي مكانها عندما تتغير خرائط العالم.