الخلاصة :
تحول ترامب إلى «العبث المختل الجيوسياسي» دمر الاستقرار. ومن «انقلاب أيباك المكشوف» و «تطهير البنتاغون العرقي» إلى «حرب التسعيرة» و «ديكتاتورية فرد النفط»، أمريكا تنهار من الداخل. والعالم يدخل «ما بعد أمريكا» و «صحراء 8 مليار»، حيث لا قانون دولي ولا أمن، بل «نزوة سياسية» لفرد واحد تبتز 8 مليار إنسان.
«انقلاب أيباك المكشوف» و «دولة الاستثناء الداخلي»
بعد ما كشفنا توقيع شهادة وفاة «جيوبوليتيكا الفوضى» و«تفكك السردية الأمريكية»، نشهد الآن في قلب واشنطن ما أسميه «انقلاب أيباك المكشوف».
لم يعد اللوبي الإسرائيلي ينكر وجوده كما في 2007. انتقل لمرحلة «دولة الاستثناء الداخلي»: استخدام قوة الدولة الأمريكية نفسها لإسكات المواطن الأمريكي. حجب تمويل جامعات، وترحيل حاملي جرين كارد، وتجريم النقد… كل ده ليس دفاع عن إسرائيل، ده «تصدير الأزمة الأيديولوجية الإسرائيلية للداخل الأمريكي».
النتيجة: اللوبي الذي كان يمنع الضغط على إسرائيل، أصبح الآن هو نفسه «مصدر الضغط على الديمقراطية الأمريكية». 160 مليون دولار في دورة واحدة ليست نفوذ، هذا «خصخصة السياسة الخارجية».
«موت حاملة الطائرات البرية» و «زمن التطرف الجيولوجي»
المفارقة القاتلة: كل المبررات الاستراتيجية ماتت. «حاملة الطائرات البرية» ماتت مع الاتحاد السوفيتي، و «إيران = الاتحاد السوفيتي الجديد» فشلت.
ما تبقى هو «زمن التطرف الجيولوجي». جماعات الضغط بإصرارها على مساعدات ضخمة وغير مشروطة، لم تحمِ إسرائيل فقط، بل «صنعت تطرفها» وحبست السياسيين الإسرائيليين المعتدلين خارج اللعبة. واليوم أمريكا نفسها بتدفع الثمن: رئيس يجرها لحرب لا يريدها الشعب، ومؤسسة أمنية عاجزة، وحزب ديمقراطي يتحدث عن «حل الدولتين» كـ «ستار لغوي» بلا أي أرضية.
الخلاصة: «تفكك السردية الأمريكية» لم يأتِ من الخارج. جاء من داخل البيت، عندما تحول الحليف إلى عبء، واللوبي إلى تهديد للحريات المدنية. أمريكا الآن تخير بين «إنقاذ إسرائيل من نفسها» أو «إنقاذ نفسها من إسرائيل».
«تطهير البنتاغون العرقي» و «تجويف القيادة الاستراتيجية»
ما قلناه من قبل عن أن بيت هيغسيث يمثل «خطراً وجودياً على الأمن القومي الأمريكي» لم يكن افتراءً سياسياً. جاء بعد أن سمعه الجميع وهو «سكران يردد: اقتلوهم جميعاً… اقتلوا المسلمين في أي مكان»، وبعد خطبه التي يحول فيها الجيش إلى «ميليشيا عقائدية» ويوعظ الجنود بأن الحرب «حرب دينية» ضد إيران.
اليوم تحقق التحذير على الأرض. الجنرال المتقاعد راندي مانر يكشف عن «أزمة قيادة غير مسبوقة»: إقالة أكثر من 20 ضابطاً رفيعاً، وتجميد 45 ترشيحاً لرتب جنرال وأدميرال، وتفريغ 10 مناصب من أصل 15 برتبة 4 نجوم. هذه ليست إعادة هيكلة، هذا «تطهير البنتاغون العرقي والعقائدي» بامتياز.
النتيجة هي ما أسميه «تجويف القيادة الاستراتيجية»: جيش بلا رأس، وقوة عظمى أصبحت «أضعف مما كانت عليه قبل 11 سبتمبر». عندما يتحول وزير الحرب من مسؤول دفاع إلى «محرض طائفي» ومنفذ «تطهير ولاءات»، فأمريكا لم تعد تواجه عدواً خارجياً… بل تواجه «انتحاراً مؤسسياً» من الداخل.
«ديكتاتورية فرد النفط» و «صحراء الاقتصاد العالمي»
رجل واحد يكفي لإدخال 7 مليار إنسان في «صحراء الاقتصاد العالمي». قرار واحد، غارة واحدة، تغريدة واحدة… ترتفع معها أسعار الطاقة 4 دولارات للبرميل، ويختنق الغذاء والدواء والنقل في قارات بأكملها.
ما نشهده اليوم هو «ديكتاتورية فرد النفط»: عندما يتحول رئيس أكبر اقتصاد في العالم إلى «مفجر أزمات بالوكالة». يشن غارات على منشآت الحرس الثوري، ويستهدف مطاراً مدنياً وحفل زفاف، ثم يهدد بإغلاق مضيق هرمز… وفي المقابل 7 مليار يتفرجون. لا مجلس أمن، لا نظام دولي، لا سعر تأمين.
النتيجة: الاقتصاد العالمي لم يعد يُدار بقوانين العرض والطلب، بل بـ «مزاج الحرب الفردي». هذا هو معنى أن نعيش في «فراغ جيوسياسي»… الجميع حاضر، ولا أحد يملك قرار الإطفاء.
«حرب التسعيرة» و «حصار المضيق بالوكالة»
التصعيد الحالي ليس حرباً كلاسيكية، هو «حرب التسعيرة». أمريكا تضرب لترفع النفط، وإيران ترد لتهدد المضيق، والفاتورة يدفعها المواطن من الأردن إلى الأرجنتين.
عندما يعلن الحرس الثوري «حصار المضيق بالوكالة» رداً على استهداف عسلوية وبندر عباس، وعندما يرد ترامب بتهديد «الهجوم الأكبر»، نكون قد انتقلنا من «الردع المتبادل» إلى «الابتزاز المتبادل».
الخطر الحقيقي ليس في الصواريخ التي سقطت في الأردن أو المسيّرات فوق البحرين. الخطر في أن «سعر البرميل» أصبح سلاحاً، و «مضيق هرمز» أصبح ورقة تفاوض.
الخلاصة: العالم دخل مرحلة «الغلاء المسلح». رجل واحد يقرر، و7 مليار يحاسبون. وهكذا تموت «عولمة الاستقرار» وتحل محلها «عولمة القصف والسعر».
«عودة ابتزاز الـ20%» و «العبث المختل الجيوسياسي»
عندما يقول ترامب نصاً: بعد أن أصبح مضيق هرمز تحت السيطرة الأميركية هل ينبغي أن نغير اسمه إلى مضيق ترامب؟ فهو لا يمزح. هذا هو «ابتزاز الـ20%» الذي حذرنا منه في بياناتنا السابقة يعود للواجهة بوجه أوقح. التصريح يحمل ثلاث دلالات. أولها «ضم رمزي للمضيق»: إعلان رسمي بانتهاء «حرية الملاحة الدولية» واستبدالها بـ «الوسم الاستعماري الجديد». ثانيها «عقيدة الهيمنة بالعلامة التجارية»: تحويل 20% من نفط العالم المار عبر هرمز إلى «ترمب ماركة مسجلة» برسالة مزدوجة لإيران: «نفسك بإيدي» وللعالم: «لا اقتصاد إلا بإذني».
ثالثها «بالون اختبار سيادي»: قياس من سيعترض ومن سيصمت قبل الانتقال لـ «قناة بنما ترامب» و«جرينلاند ترامب». والسؤال الذي يطرح نفسه: أين «فريق الاستشاري» من هذا «العبث المختل الجيوسياسي»؟ أم أن أكبر دولة في العالم تعيش اليوم في «عطب استشاري متعمد»؟ الخلاصة: بعد أن دفنا «جيوبوليتيكا الفوضى» دخلنا في «جيوبوليتيكا النرجسية». والمعادلة الجديدة التي يحاول فرضها هي: «لا أمن للطاقة إلا تحت اسمي». هذا ليس انتصاراً، هذا اعتراف ضمني بالفشل العسكري والاقتصادي والهروب لـ «الانتصار الرمزي». ولو تحولت التغريدة إلى سياسة، فنحن أمام موت «القانون الدولي للبحار» وولادة «قانون الغاب التجاري» المافيوي.
ترامب: من قمة الهيمنة إلى قاع «جيوبوليتيكا الفوضى»
أصبح دونالد ترامب مادة دائمة للسخرية الدولية، بعدما تحول من رئيس الدولة العظمى إلى تجسيد حي لـ «العبث الجيوسياسي المختل». قادة العالم تأكدوا أنهم أمام رجل يدفع بالكوكب نحو «مغامرة عسكرية انتحارية» ضد إيران بلا بوصلة ولا حسابات. المغامرة الترامبية لم تستهدف طهران فقط، بل فجرت أساسات الاستقرار الاقتصادي العالمي. الحلفاء التاريخيون باتوا يرون في واشنطن مصدر «مختبر الفوضى» لا الضمانة. النتيجة الحتمية: «هروب جماعي» من عباءة البيت الأبيض والبحث عن بدائل خارج دائرة «الارتهان الأمريكي».
العبث الترامبي عرّى «الأسطورة الأمريكية» وأكد للجميع «هشاشة واشنطن». ما كان يسمى «عظمة» تبخر أمام أول اختبار حقيقي. العالم اليوم يدخل مرحلة «ما بعد أمريكا»، حيث تبحث العواصم عن مظلة أمنية واقتصادية جديدة بعيداً عن منطق التدمير مقابل «نزوة سياسية».