عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد مؤشرات التأمين الصحي الشامل في الأقصر تُقاس فقط بعدد الخدمات الطبية المقدمة، وإنما بما تعنيه هذه الخدمات للمواطن في حياته اليومية، من سهولة الوصول إلى الرعاية، وتعدد منافذ تقديمها، وسرعة الحصول على الموافقات للعلاجات المختلفة، وتوفير تدخلات طبية متقدمة كانت تمثل عبئًا كبيرًا على الأسر، وخلال النصف الأول من عام 2026 عكست الأرقام اتساع نطاق الاستفادة من النظام، بعدما تجاوز عدد الخدمات الطبية المقدمة 2.1 مليون خدمة، مع وصول نسبة التغطية السكانية إلى 92.9%، بما يؤكد أن التجربة في المحافظة دخلت مرحلة أكثر ارتباطًا بالتفاصيل اليومية لاحتياجات المواطنين.

وتكشف بيانات هيئة التأمين الصحي الشامل أن عدد المستفيدين في الأقصر بلغ نحو 1.35 مليون مواطن، فيما تتحمل الدولة اشتراكات غير القادرين، وهو ما يرسخ أحد الأبعاد الأساسية للمشروع، والمتمثل في ألا تتحول القدرة المالية إلى عامل يحدد فرص الحصول على الرعاية، كما استفاد أكثر من 3 آلاف مواطن من إجراءات إتاحة بطاقات التأمين الصحي دون أعباء مالية، في إطار التعامل مع الفئات الأولى بالرعاية وتيسير اندماجها داخل النظام.
وفي موازاة زيادة الإقبال على الرعاية، شهدت خريطة تقديم الخدمة إضافة منافذ جديدة في مناطق مختلفة من المحافظة، بينها أصفون والدير والنمسا والبعيرات والعديسات بحري والرزيقات بحري بأرمنت، إلى جانب الكيمان المطاعنة بمركز إسنا والزينية، ويخدم المركزان الأخيران نطاقًا يضم أكثر من خمس قرى بإجمالي تعداد سكاني يبلغ 82,163 نسمة، بما يعكس اتجاهًا لتقريب نقطة الحصول على الخدمة من المواطنين بدلًا من ارتباطها بمواقع محددة فقط.
وتستند هذه الشبكة إلى 81 منشأة صحية متنوعة، تضم وحدات ومراكز طب الأسرة ومستشفيات تابعة للهيئة، إلى جانب منشآت خاصة وأهلية متعاقدة، وهو تنوع يتيح للمواطن مسارات مختلفة للحصول على الرعاية، بينما أسهم التحول الرقمي في إدارة جانب كبير من الإجراءات، حيث تم إصدار آلاف الموافقات العلاجية إلكترونيًا، وتحديث بيانات أعداد كبيرة من المنتفعين، إلى جانب إتاحة بعض الخدمات بنظام التقسيط وامتداد ساعات العمل المسائية في عدد من المنافذ لتقليل الضغط وتوفير بدائل أكثر مرونة أمام المواطنين.
لكن الجانب الأكثر دلالة في تجربة الأقصر يظهر في الحالات التي تتجاوز الرعاية التقليدية إلى تدخلات طبية دقيقة ومرتفعة التكلفة، إذ تحمل التأمين الصحي الشامل تكلفة علاجات وجراحات متقدمة شملت مضخات الباكلوفين، وتحفيز المخ العميق، وقسطرة الشرايين التاجية المعقدة، وتركيب منظمات القلب، وإصلاحات الصمام الأورطي بالأساليب الأقل تدخلًا، إلى جانب عمليات زراعة الكبد، بما يوضح أن مظلة التغطية لا تقتصر على الخدمات الأساسية، وإنما تمتد إلى علاجات متخصصة تتطلب إمكانات طبية وتمويلًا مرتفعًا.
ويمتد هذا الاهتمام إلى الأطفال والحالات النادرة، حيث شملت الرعاية تدخلات متخصصة وتركيبات للصمامات وعلاجات عاجلة، فضلًا عن حالات احتاجت إلى أدوية متخصصة وزراعة نخاع، ومن بين الحالات اللافتة إجراء تدخل طبي معقد باستخدام تقنية T-Branched TEVAR في مستشفى طيبة التخصصي، وهو إجراء مرتفع التكلفة تحمل النظام تكلفته بالكامل، بما يعكس قدرة منظومة التأمين على التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى مستويات متقدمة من الرعاية بدلًا من اقتصار التغطية على الإجراءات الاعتيادية.
وفي جانب الرقابة وقياس تجربة المواطن، نفذت فرق التأمين الصحي الشامل زيارات ميدانية لمتابعة أداء المنشآت والتأكد من انتظام تقديم الرعاية، كما جرى جمع آلاف استبيانات قياس رضا المنتفعين، وسجلت نتائج القياس نسبة رضا بلغت 72%، مع التعامل مع الملاحظات التي تم رصدها ميدانيًا، وهو ما يضع جودة التجربة الفعلية للمواطن إلى جانب مؤشرات التغطية وعدد الخدمات باعتبارها أحد المعايير المهمة لقياس أداء النظام.
وتشير تجربة الأقصر خلال الأشهر الستة الأولى من العام إلى أن نجاح أي منظومة للتغطية الصحية لا يرتبط فقط بزيادة أعداد المستفيدين، وإنما بقدرتها على بناء شبكة قريبة من المواطن، وتوفير علاج متنوع، وتمويل الحالات مرتفعة التكلفة، واستخدام التكنولوجيا لتقليل الإجراءات، مع استمرار الرقابة على مستوى الخدمة، وفي هذا السياق تواصل هيئة التأمين الصحي الشامل العمل على تحسين كفاءة تقديم الرعاية ورفع جودة التعامل مع المنتفعين، بما يجعل الأرقام انعكاسًا لحركة فعلية داخل القطاع الصحي وليست مجرد مؤشرات إحصائية.