عبدالرحيم عبدالباري
في الأماكن التي لا تحتمل فيها الحالة المرضية الانتظار، تصبح كل دقيقة فارقة، ويكتسب تجهيز الرعاية المركزة أهمية تتجاوز فكرة زيادة عدد الأسرّة إلى امتلاك القدرة على التدخل السريع والتعامل مع الحالات الأكثر خطورة، وهو ما يبرز مع افتتاح وحدتي الرعاية المركزة للأمراض الصدرية بمستشفى المنيل القبلي ولأمراض النساء والتوليد، بعد تطويرهما وتجهيزهما بتكلفة إجمالية تقارب 13 مليون جنيه، لتضيف جامعة القاهرة مسارين جديدين إلى منظومة الرعاية الحرجة بقصر العيني، وتدعم قدرة المستشفيات الجامعية على تقديم خدمات أكثر تخصصًا للمرضى.

افتتح الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، الوحدتين، بحضور الدكتور حسام صلاح، عميد كلية طب قصر العيني ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية، والدكتور حسام حسني، المدير التنفيذي للمستشفيات الجامعية، والدكتور هاني العسلي والدكتورة أمل السيد، نائبا المدير التنفيذي للمستشفيات، والدكتور محمد فاضل شلتوت أستاذ أمراض النساء والتوليد، والدكتورة مؤمنة كامل، أمين عام مؤسسة مؤمنة كامل للتدريب وتنمية المهارات والمتبرعة بتطوير وحدة النساء، إلى جانب مديري المستشفيين ورؤساء الأقسام وعدد من قيادات الجامعة والمستشفيات، في خطوة تعكس تداخل الجهد المؤسسي مع مساهمات المجتمع المدني في دعم تطوير المستشفيات الجامعية.
وفي مستشفى المنيل القبلي، جرى تطوير وحدة الرعاية المركزة بقسم الأمراض الصدرية بتكلفة بلغت نحو 3 ملايين و150 ألف جنيه، مع تزويدها بأحدث أجهزة التنفس الصناعي التداخلي وغير التداخلي، وشبكات الغازات الطبية، وأنظمة المراقبة الحيوية اللحظية، بما يدعم سرعة التعامل مع حالات الفشل التنفسي الحاد والجلطات الرئوية، كما تتيح الوحدة إجراء مناظير الشعب الهوائية تحت إشراف أساتذة كلية طب قصر العيني، وهو ما يمنح الفريق الطبي أدوات أكثر تخصصًا للتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تدخل دقيق ومتابعة مستمرة.
وفي الجانب الآخر، جاءت وحدة الرعاية المركزة بمستشفى أمراض النساء والتوليد بتكلفة 9 ملايين و826 ألفًا و455 جنيهًا، شملت أعمال التجديد والإنشاءات والتجهيزات والأجهزة الطبية، بدعم من مؤسسة مؤمنة كامل للتدريب وتنمية المهارات، وتضم الوحدة 6 أسرّة مجهزة بالكامل للتعامل مع الحالات شديدة الخطورة ومضاعفات الحمل والولادة على مدار 24 ساعة، مع استهداف خدمة ما بين 70 و80 حالة شهريًا، وبنسبة إشغال تصل إلى 90%، بما يعزز قدرة المستشفى على التعامل مع الحالات التي قد تتطلب تدخلًا مكثفًا ومتابعة دقيقة في مراحل الحمل والولادة وما بعدهما.
وخلال جولته، استمع رئيس جامعة القاهرة إلى شرح تفصيلي حول مكونات الوحدتين وما شهدتاه من أعمال تطوير في البنية التحتية والتجهيزات والأنظمة الطبية، مؤكدًا أن تطوير مستشفيات قصر العيني يأتي في مقدمة أولويات الجامعة، انطلاقًا من مسئوليتها تجاه المجتمع، وحرصها على توفير رعاية صحية متقدمة تضع المريض واحتياجاته في قلب منظومة التحديث، مشيرًا إلى أن قصر العيني يمثل ذاكرة الطب المصري وعنوانًا لريادته، وأن استمرار تطويره يؤكد قدرة المؤسسات الطبية العريقة على الجمع بين الخبرة المتراكمة ومتطلبات الطب الحديث.
ولا تتوقف دلالة المشروع عند حدود الوحدتين الجديدتين، فمستشفيات قصر العيني تضم 22 مستشفى ومركزًا وتؤدي أدوارًا متوازية في العلاج والتعليم والتدريب والبحث العلمي، ولذلك فإن تحديث وحدة رعاية مركزة داخل هذه المنظومة يرتبط بصورة مباشرة بتطوير بيئة العمل والتدريب للأطباء، ورفع قدرة الفرق الطبية على التعامل مع الحالات الحرجة، إلى جانب تحسين الإمكانات المتاحة للمرضى، وهو ما أكده رئيس الجامعة، مشيرًا إلى أن الافتتاحات والتطويرات المتتالية ثمرة عمل جماعي متكامل، وموجهًا الشكر إلى مؤسسات المجتمع المدني والمتبرعين الذين يشاركون في دعم مشروعات تطوير المستشفيات الجامعية.
ومن جانبه، أوضح الدكتور حسام صلاح أن أعمال التطوير تضمنت تحديثًا شاملًا للبنية التحتية والأنظمة الطبية والإنشائية وفق الأكواد الهندسية الحديثة، إلى جانب تطبيق معايير الجودة والسلامة ومكافحة العدوى المعتمدة من الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية «GAHAR»، بما يعزز جاهزية الوحدتين لتقديم رعاية متخصصة وآمنة على مدار الساعة، مؤكدًا أن تطوير البنية والتجهيزات يمثل جزءًا من خطة أوسع تستهدف الارتقاء بمستوى الخدمات الطبية داخل مستشفيات قصر العيني ودعم أدوارها العلاجية والتعليمية والبحثية.
وتكشف تفاصيل الوحدتين عن اختلاف طبيعة الاحتياج الذي تستجيب له كل منهما، فالرعاية المركزة للأمراض الصدرية تعتمد على تجهيزات متقدمة للتعامل مع الأزمات التنفسية ومراقبة الوظائف الحيوية والتدخل السريع، بينما تستجيب وحدة النساء والتوليد لطبيعة حالات شديدة الحساسية ترتبط بمضاعفات الحمل والولادة وتحتاج إلى وجود رعاية مكثفة متخصصة، وبين الحالتين يبقى العامل المشترك هو الحاجة إلى مكان مجهز وفريق طبي قادر على التحرك في الوقت المناسب، وهو ما يجعل تطوير الرعاية الحرجة أحد أهم محاور تحديث المستشفيات الجامعية.
وقبل افتتاح الوحدتين، استهل الدكتور محمد سامي عبد الصادق جولته بلقاء حواري مع طلاب كلية الطب وأطباء الامتياز، مؤكدًا أهمية الاستفادة من الفرص التعليمية والتدريبية التي توفرها الجامعة، موضحًا أن التجربة الجامعية لا تقتصر على الدراسة الأكاديمية، وإنما تمتد إلى بناء الشخصية واكتساب المهارات والخبرات وتنمية الوعي والمسئولية المجتمعية، لتتصل بذلك عملية تطوير المستشفى بتطوير الإنسان الذي سيعمل داخله، فالتجهيزات الحديثة تحتاج إلى كوادر تمتلك المعرفة والمهارة والمسئولية لتحويلها إلى خدمة طبية حقيقية تصل إلى المريض في اللحظة التي يحتاج إليها.
وفي النهاية، فإن افتتاح وحدتي الرعاية المركزة لا يمكن قراءته فقط باعتباره إضافة إلى خريطة المنشآت الطبية بقصر العيني، بل باعتباره جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بكيفية بناء مستشفى جامعي قادر على مواكبة الاحتياجات المتغيرة للمرضى، فكل سرير مجهز داخل الرعاية الحرجة يرتبط بحالة تحتاج إلى قرار سريع، وكل جهاز طبي جديد يمثل أداة في يد الطبيب، وكل تطوير للبنية التحتية يهيئ بيئة أكثر أمانًا للرعاية، وبين ضيق النفس ومضاعفات الولادة تواصل جامعة القاهرة تحديث واحدة من أعرق منظومات الطب في مصر، مع إبقاء المريض في مركز الهدف من كل عملية تطوير.