من المؤكد أن من فكر في إنشاء إذاعة متخصصة ترعى الشباب وتهتم بقضاياهم وتخاطبهم خطاباً مباشراً تتولاه عقول وألسنة أقرانهم من الشباب؛ سواء أكان فرداً؛ أو جماعة؛ أو مؤسسة؛ كان بحق سابقاً بفكره؛ ومبصراً بعقله وقلبه لمستقبل الوطن؛ وأهمية بناء شبابه وإعدادهم الإعداد الجيد؛ وتسليحهم بشتى مناحي الثقافة العلمية والأدبية.
وربما رأى ذلك الذي فكر ألا تكتفي عملية المعرفة على مسايرة الواقع؛ ومحاولة اللحاق بصاروخ التقدم العلمي المضطرد؛ بل قصد من خلال مواد إعلامية رصينة المساهمة الفاعلة في بناء عقول الشباب وتأهيلهم وتحفيزهم نحو مراحل المشاركة الإيجابية؛ والابتكار؛ والإضافة؛ ثم إلى استباق الواقع؛ والمشاركة في صنع المستقبل؛ وليس الاكتفاء بفرضيات معايشة الواقع العالمي فقط؛ بما من شأنه أن ينعكس على المجتمع المصري بالسلم الاجتماعي؛ والتقدم المنشود، فإذا كان شباب اليوم هم قوة الحاضر؛ فهم بلا شك كل المستقبل وقادته؛ ومن ثم يحدث التنوير؛ ويتحقق التقدم والرخاء الاقتصادي المأمول.
هل كانت حرب أكتوبر وما ترتب عليها من نصر مجيد هي المحفز؟؛ ألم يضرب شباب مصر في تلك الحرب أروع الأمثلة في الزود عن تراب الوطن، والجهاد في سبيل رفعته؟؛ من المؤكد أنها كانت المحفز الذي نبه ذلك الذي فكر؛ فاستلهم الفكرة؛ واحتشد بالتخطيط لما علم أن جنودنا الشباب قد استطاعوا أن يستوعبوا المستجدات؛ وأن يبدعوا في التعامل مع التكنولوجيا المتقدمة للأسلحة الحديثة التي ساهمت في صنع ملحمة النصر؛ خصوصاً وأن ذلك كله قد حدث في مدة زمنية وجيزة هي الفترة ما بين انتهاء عمليات حرب يونية من عام 1967م؛ ونصر أكتوبر من عام 1973م.
من المؤكد أن الحرب كانت دافعاً؛ وأن النصر كان محفزاً؛ والطاقات الإيجابية عاملاً؛ ذلك أنه كانت هناك الكثير من الأسلحة الحديثة ذات القدرات التكنولوجيا المتقدمة ضمن الأسلحة التي خضنا بها غمار تلك الحرب؛ وقد تعامل معها جنودنا فاستوعبوها؛ وأبلوا عليها بلاء حسناً حتى حققوا النصر المجيد على إسرائيل بجيشها الذي ادعى أنه لا يقهر.
ومن المؤكد أنه سبق يوم البث الرسمي لتلك الإذاعة الجديدة إعدادات كثيرة وتحضيرات حتى استقرت النية على إطلاق صوتها؛ ومصر تحتفل بالذكرى الثانية لنصر أكتوبر الخالد؛ فكان يوم السادس من أكتوبر من عام 1975م هو يوم الميلاد.
وعن قصته يقول الإذاعي الكبير الراحل إيهاب الأزهري؛ وهو أول مدير لهذه الخدمة الإذاعية: إنه بتاريخ الثلاثين من شهر سبتمبر عام 1974م دعا وزير الإعلام المصري إلى اجتماع كان سيادته من بين حضوره؛ وطُرح للمناقشة موضوع إطلاق إذاعة جديدة تختص بمخاطبة الشباب؛ ويضيف الأستاذ الأزهري أنه لم يستسغ الفكرة وهو يقول للمجتمعين إن مصر ليست في حاجة إلى اطلاق إذاعة جديدة خاصة بالشباب بقدر ماهي في حاجة إلى تجديد شباب كل الإذاعات القائمة؛ بما يعني أن أي إذاعة تستطيع أن تكون شابة؛ فالإذاعة الشابة هي التي تدرك قيمتها الحقيقية؛ وقدرتها على بناء البشر؛ وصنع المستقبل الأفضل؛ وهي التي تملك النظرة النفاذة، فتعرف المعنى الحقيقي للكلمات؛ ومدى تأثيرها، وهي عندما تنظر إلى المثل العامي الذي يقول “اقلب القِدرة على فُمها تطلع البنت لأمها” تدرك بنظرتها النفاذة أن هذه ليست كلمات ظريفة مسجوعة؛ بل هي كلمات حكيمة؛ لأنها خلاصة فكر وتجارب طويلة جداً سبقت الاهتداء إلى وضع ذلك المثل في تلك الكلمات الموجزة البليغة؛ فالجملة أو المثل لم يأت أو يبنى من فراغ؛ فهناك أجيال سابقة جربت وتأملت وتفاعلت حتى اهتدت إلى هذه النتيجة؛ وهي أن المعرفة إنما تأتي من التراكم الثقافي المتوال؛ والتفاعل الجاد معه.
وخلاصة قوله هنا أن الأم بمثابة مدرسة؛ وكلما كانت تمتلك من الخبرات والمعارف؛ وعمق محتوى خطابها؛ كلما كان ذلك زاداً لابنتها التي ستحاكيها وتقلدها وتنقل عنها؛ وكذلك الحال بالنسبة للإذاعة كلما كان المحتوى جيداً ومحفزاً؛ كلما عظم الأثر وتعاظم المردود؛ فالمعرفة تدخل إلى العقول لتضيئها؛ لأن الناس – كما قال هو- إنما هم على دين إذاعاتهم!.
من المؤكد أن الجميع وقتها – أي الوزير وصحبه – استمعوا إلى ما قاله الأستاذ الأزهري؛ ولكنهم نحّوا كلامه جانباً على الرغم من وجاهته؛ لأن صاحب القرار كان في عجلة من أمره وهو ينهي إليهم ما تم الاتفاق والاستقرار عليه بإطلاق هذه الخدمة الجديدة؛ وكان من الحماس وهو يستحث الخطى نحو ميلادها؛ والطريف في الأمر أنه تم تكليف من رأى عدم جدوى إنشاء إذاعة جديدة للشباب بتولي مسئولية تلك الخدمة المستحدثة؛ لما عُرف عنه من جد واجتهاد؛ وتميز وثقافة رفيعة؛ ورؤى ابتكارية.
وقد رأى ذلك المدير الأول أهمية أن تكون الإذاعة الجديدة داراً مفتوحة الأبواب؛ ومشرعة النوافذ لكل الشباب على اختلاف مستوياتهم الفكرية والثقافية في شتى أرجاء البلاد؛ ومن ثم عكف في الشهور القليلة التي سبقت يوم البث في إعداد مادة برامجه؛ وخرائطه؛ والعناصر البشرية التي سيستعين بها لمخاطبة الشباب؛ وبالفعل انطلق الصوت بالشعار الجديد لأول مرة؛ وعلا النفير وأم كلثوم تصدح عصر يوم السادس من أكتوبر عام 1975م بنشيد الجامعة أو نشيد “شباب النيل” فغردت متحمسة بكلمات أحمد رامي؛ وأطربت مؤثرة في الوجدان بألحان رياض السنباطي وهي تشدو:
يا شباب النيل؛ يا عماد الجيل……
هذه مصر تناديكم؛ فلبوا
دعوة الداع إلى القصد النبيل.
شيدوا المجد على العلم وهبوا
ثم سيروا كل جمع في سبيل.
كانت هذه هي الكلمات التي أنشدتها أم كلثوم لأول مرة عام 1937م؛ ولينتبه لها الأستاذ إيهاب الأزهري فيختارها دون غيرها لتكون شعاراً للإذاعة الجديدة؛ التي رآها إذاعة ستسابق عصرها بمادتها التي سهر عليها؛ وأرادها أن تثير عقول الشباب عندما تتسلل إليها فتسكنها وتحفزها على التفكير والإبداع.