عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد مواجهة المرض تبدأ من أبواب المستشفيات، بل من وعي المواطن وقدرته على حماية صحته، والتعرف على العلامات المبكرة للأمراض، واتخاذ القرارات الصحيحة قبل أن تتحول المشكلات الصحية البسيطة إلى أزمات أكثر تعقيدًا، ومن هذا المنطلق، تتحرك وزارة الصحة والسكان نحو إعداد إرشادات وطنية للرعاية الذاتية، تستهدف ترسيخ ثقافة الوقاية، وتعزيز مشاركة المواطنين في الحفاظ على صحتهم، استنادًا إلى المعلومات الموثوقة والأدلة العلمية.

وجاء هذا التوجه خلال مشاركة وزارة الصحة والسكان المصرية في فعاليات المائدة المستديرة رفيعة المستوى، التي عُقدت تحت عنوان «تعزيز النظم الصحية من خلال الرعاية الذاتية في إقليم شرق المتوسط»، بالتعاون مع الاتحاد العالمي للرعاية الذاتية، وبمشاركة منظمة الصحة العالمية وشركاء إقليميين، بالتزامن مع انعقاد الدورة الثالثة والسبعين للجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، حيث أكد الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة والسكان لشئون المشروعات ومبادرات الصحة العامة، أهمية الرعاية الذاتية باعتبارها أحد المكونات الاستراتيجية للوقاية، وتعزيز الرعاية الصحية المتمحورة حول الإنسان.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من التحديات المتزايدة التي تواجه النظم الصحية، وفي مقدمتها ارتفاع معدلات الأمراض غير السارية، وتزايد تكاليف العلاج، والتفاوت في فرص الحصول على الخدمات الطبية، إذ إن تعزيز وعي المواطن بأساليب الوقاية، وأهمية الكشف المبكر، والتعامل السليم مع بعض الحالات الصحية، يمكن أن يسهم في الحد من المضاعفات، وتحسين جودة الحياة، وتخفيف الضغوط الواقعة على المنشآت الصحية، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن الطبيب أو تأجيل طلب الرعاية المتخصصة.
وتعمل الوزارة على تطوير إرشادات وطنية تحول مفهوم الرعاية الذاتية من مجرد نصائح صحية عامة إلى إطار منظم يحدد أدوار ومسئوليات الجهات المعنية، ويضمن سلامة الممارسات وفعاليتها وفقًا للأدلة العلمية ومعايير الجودة والرقابة التنظيمية، مع تعزيز دور الفرق الطبية ومقدمي خدمات الرعاية الصحية الأولية والصيادلة في تقديم التوعية والإرشاد، بما يساعد المواطنين على التمييز بين الممارسات الصحية السليمة والمعلومات المضللة، ومعرفة متى يمكن التعامل مع بعض المشكلات البسيطة، ومتى تصبح الاستعانة بالطبيب ضرورة لا تحتمل التأجيل.
ولا تقتصر الرعاية الذاتية على التعامل مع المرض بعد ظهوره، بل تمتد إلى تبني نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة، والنشاط البدني، والنوم الكافي، ومتابعة المؤشرات الصحية وفقًا للاحتياجات الفردية، إلى جانب الالتزام بالتوجيهات الطبية عند التعامل مع الأمراض المزمنة، وتجنب تناول الأدوية دون استشارة مناسبة، وهي ممارسات يمكن أن تدعم الوقاية وتحد من المخاطر، شريطة أن تستند إلى معلومات دقيقة وإرشادات واضحة تراعي اختلاف الظروف الصحية بين المواطنين.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد حساني أهمية الانتقال من المبادئ العامة إلى خطوات تنفيذية قابلة للقياس، من خلال دمج الرعاية الذاتية في السياسات الصحية الوطنية، وتعزيز التعاون مع منظمة الصحة العالمية والاتحاد العالمي للرعاية الذاتية والقطاع الأكاديمي والمجتمع المدني والقطاع الخاص المسئول، إلى جانب تطوير مؤشرات لتقييم الأثر الصحي والاجتماعي والاقتصادي لهذه الممارسات، بما يدعم التغطية الصحية الشاملة ويسهم في استدامة النظم الصحية.
وتؤكد هذه الخطوة أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بزيادة أعداد المنشآت أو توفير الخدمات العلاجية، وإنما ببناء مواطن أكثر وعيًا بصحته، يمتلك المعرفة التي تساعده على الوقاية، ويجد في الوقت نفسه نظامًا صحيًا يقدم له التوجيه والرعاية المتخصصة عند الحاجة، فالرعاية الذاتية ليست نقلًا لمسئولية الدولة إلى المواطن، بل شراكة منظمة تجعل الوقاية مسئولية مشتركة، وتمنح الإنسان دورًا أكثر فاعلية في حماية صحته، مع استمرار التزام المنظومة الصحية بتوفير الخدمات الآمنة والفعالة للجميع.