عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد شهادة الاعتماد الصحي مجرد وثيقة تُعلّق على جدران المنشآت الطبية لإثبات استيفاء معايير الجودة، وإنما أصبحت مسؤولية مؤسسية مستمرة تخضع للاختبار والمراجعة والمساءلة، فالحصول على الاعتماد لا يعني أن المنشأة حصلت على ضمان دائم، ولا يمنحها حصانة من الرقابة أو المساءلة حال الإخلال بمعايير سلامة المرضى، وهو ما تعكسه بوضوح خطوة الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية (GAHAR) بتعليق اعتماد إحدى المنشآت الصحية بمحافظة الإسماعيلية لمدة ثلاثة أشهر، بعد رصد مخالفات مؤثرة على سلامة المرضى وجودة الخدمات المقدمة.
القرار يحمل رسالة مهمة إلى المنشآت الصحية المعتمدة، مفادها أن الجودة لا تُقاس بما تحققه المنشأة يوم حصولها على شهادة الاعتماد، وإنما بقدرتها على الحفاظ على المعايير وتطبيقها بصورة مستمرة في الممارسة اليومية، فقد كشفت الزيارة الرقابية التي نفذها فريق متخصص من الهيئة عن أوجه عدم التزام شملت نطاق التراخيص الممنوحة للمنشأة، والامتيازات الإكلينيكية للأطباء، وسلامة الإجراءات المعملية، فضلًا عن أوجه قصور في التوثيق والسجلات الطبية والجراحية، وهي ملفات لا تتعلق بإجراءات إدارية شكلية، بل تمثل حلقات أساسية في منظومة الأمان الطبي، وتؤثر بصورة مباشرة على جودة القرار العلاجي وحماية المريض من المخاطر الممكن تجنبها.
ومن هنا تبرز أهمية تحرك الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، باعتباره تطبيقًا عمليًا لفلسفة الرقابة اللاحقة، التي لا تكتفي بمنح شهادات الجودة، وإنما تتابع مدى استمرار المنشآت في الالتزام بالمعايير التي حصلت على الاعتماد بموجبها، فالقرار لم يتوقف عند رصد المخالفات، بل تضمن إلزام المنشأة بمعالجة أوجه القصور وتحديد أسبابها الجذرية، وتنفيذ الإجراءات التصحيحية اللازمة لمنع تكرارها، مع التحقق من فاعلية تلك الإجراءات قبل اتخاذ القرار المناسب بشأن إعادة تفعيل الاعتماد، إلى جانب إخطار الجهات المعنية بمنظومة التأمين الصحي الشامل لاتخاذ ما يلزم وفقًا للأحكام القانونية والضوابط التعاقدية المنظمة.
وفي هذا السياق، وضع الدكتور أحمد طه قاعدة أساسية تحكم عمل منظومة الاعتماد، مؤكدًا أن الاعتماد ليس شهادة دائمة للجودة، وإنما التزام مؤسسي مستمر يخضع للمتابعة والتقييم طوال دورة الاعتماد، وأن الرقابة ليست نقيضًا للاعتماد، بل إحدى أهم ضمانات مصداقيته واستدامة أثره، موضحًا أن دور الهيئة لا يقتصر على اكتشاف المخالفات، بل يمتد إلى مساعدة المنشآت على تحديد المخاطر ومعالجة أسبابها، وترسيخ ثقافة التحسين المستمر والتعلم من الأخطاء، مع اتخاذ الإجراءات الحاسمة عندما تصل المخالفات إلى مستوى يهدد سلامة المرضى.
وتكشف هذه الواقعة عن جانب مهم في تطوير منظومة الرعاية الصحية، وهو الانتقال من مفهوم الجودة باعتبارها هدفًا يتحقق بالحصول على شهادة، إلى اعتبارها ممارسة يومية تبدأ من الالتزام بالتراخيص والضوابط المهنية، وتمر بسلامة الإجراءات الطبية والمعملية، ولا تنتهي إلا بضمان حقوق المريض وسلامته، فالمريض لا يعنيه فقط أن تكون المنشأة حاصلة على شهادة اعتماد، وإنما يعنيه أن يجد داخلها رعاية آمنة، وفريقًا طبيًا يعمل وفق اختصاصاته المعتمدة، وإجراءات علاجية موثقة ومنضبطة، ومنظومة قادرة على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها قبل أن تتحول إلى مخاطر تهدد حياته.
كما تكتسب دعوة الهيئة إلى الشفافية أهمية خاصة، من خلال إتاحة بيانات المنشآت الصحية المعتمدة وحالة اعتمادها، بما في ذلك قرارات التعليق، عبر موقعها الإلكتروني الرسمي، بما يتيح للمواطن الاطلاع على الوضع الفعلي للاعتماد قبل اختيار المنشأة التي يتلقى فيها الخدمة، ويعزز حقه في الحصول على معلومات واضحة تساعده على اتخاذ قرار مستنير، ويضع في الوقت نفسه المنشآت الصحية أمام مسئولية أكبر للحفاظ على ثقة المواطنين، فالثقة لا تُكتسب بالشعارات أو الشهادات، وإنما تُبنى من خلال الالتزام الفعلي بمعايير الأمان والجودة.
وفي المحصلة، فإن تعليق اعتماد المنشأة الصحية بالإسماعيلية لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً عقابيًا فحسب، بل باعتباره اختبارًا لمصداقية منظومة الاعتماد وقدرتها على حماية المريض حتى بعد منح الشهادة، فالاعتماد الحقيقي ليس ورقة تُمنح مرة واحدة، وإنما استحقاق يتجدد كل يوم، وأي إخلال بمعايير سلامة المرضى يستوجب التدخل والتصحيح والمساءلة، لتظل جودة الرعاية الصحية مسئولية لا تقبل التأجيل، وتبقى حياة المريض وسلامته هي المعيار الأهم للحكم على نجاح أي منشأة طبية.