ليست كل الانتصارات تُقاس بالميداليات والشهادات، فبعضها يبدأ من كتاب صغير، وصفحة يقرؤها طفل بشغف، وكلمة يجد فيها متعة لم يكن يعرف أنها تسكن بين حروف لغته.
الطفلة ميار، الفائزة في مسابقة «تحدي القراءة العربي»، ليست مجرد نموذج يستحق الاحتفاء بإنجازه، بل هي فرصة لنتأمل في قيمة القراءة، وأهمية اكتشاف المواهب، ودور المدرسة في صناعة جيل يمتلك المعرفة والخيال والقدرة على الإبداع.
إن فوز ميار يعيد طرح سؤال مهم: هل نجحنا في غرس حب اللغة العربية في نفوس أبنائنا، أم اكتفينا بتعليمهم قواعدها وحفظ نصوصها استعدادًا للامتحانات؟
فاللغة العربية ليست مادة دراسية فحسب، بل هي هوية وثقافة وذاكرة، ولغة قادرة على مواكبة المستقبل. ولن نعيد لها مكانتها في وجدان أطفالنا بمجرد مطالبتهم بإتقانها، وإنما بأن نجعلهم يحبونها، ويكتشفون جمالها، ويستخدمونها في القراءة والكتابة والتعبير والابتكار.
لكن اكتشاف الموهبة لا يتوقف عند القراءة واللغة، فهناك طفل يجد نفسه في المسرح، وآخر في الرسم، وثالث في البحث العلمي، ورابع في الرياضة أو الكتابة والإلقاء. وربما تعيش مواهب كثيرة سنوات داخل الفصول الدراسية دون أن يلتفت إليها أحد، ليس لغياب التميز، وإنما لغياب الفرصة.
ومن هنا، تبرز أهمية إعادة النظر في مفهوم التفوق، فلا ينبغي أن يظل الطالب المتميز هو فقط صاحب الدرجات الأعلى في الامتحانات، فالموهبة لها وجوه متعددة، والذكاء لا يقاس دائمًا بورقة إجابة.
إننا بحاجة إلى أن تتبنى وزارة التربية والتعليم آلية واضحة لاكتشاف الموهوبين ورعايتهم، وأن تمنح الأنشطة والمواهب المتميزة وزنًا حقيقيًا في التقييم الدراسي، من خلال درجات تحفيزية أو نقاط تميز وفق معايير معلنة تقيس المشاركة والإنجاز والإبداع، وليس مجرد الحضور.
فحين يشعر الطالب أن موهبته محل تقدير، وأن المدرسة ترى قدراته وتمنحه الفرصة لإظهارها، يصبح أكثر ارتباطًا بها وانتماءً إليها.
وفي ظل الضغوط الدراسية المتزايدة، لم تعد الأنشطة المدرسية رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل ضرورة تربوية ونفسية تمنح الطلاب مساحة للتعبير عن أنفسهم، وتخفف عنهم أعباء الدراسة، وتعيد إليهم متعة التعلم والانتماء إلى المدرسة.
إننا لا نريد جيلًا يحفظ المعلومات ليجتاز الامتحان ثم ينساها، بل جيلًا يفكر ويبتكر ويعتز بلغته، ويكتشف قدراته، ويؤمن بأن النجاح ليس طريقًا واحدًا، وأن لكل إنسان موهبة تستحق أن تجد طريقها إلى النور.
لذلك، ينبغي ألا تنتهي حكاية ميار عند تكريم الفائزة والتقاط الصور التذكارية، بل أن تكون بداية لسؤال داخل كل مدرسة: كم ميار بين طلابنا لم تكتشف موهبتها بعد؟ وكم عقلًا مبدعًا ينتظر فرصة واحدة ليعلن عن نفسه؟
ربما لا نصنع من كل طفل بطلًا في مسابقة، لكننا نستطيع أن نمنحه فرصة ليكون متميزًا في مجاله.
فالموهبة لا تحتاج دائمًا إلى معجزة كي تزدهر، بل تحتاج إلى عين تكتشفها، ويد ترعاها، ومدرسة تؤمن بأن التعليم الحقيقي لا يصنع طالبًا متفوقًا فحسب، بل يصنع إنسانًا يحب ما يتعلم، ويكتشف ما يبدع فيه، ويجد في مدرسته مكانًا ينتمي إليه.