أحيانا، يصل الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه فعل كل ما يستطيع، وصبر أكثر مما يحتمل، وانتظر طويلا دون أن يتغير شيء. لحظة يتعب فيها من كثرة التفكير، ويخفي خلف ابتسامته وجعا لا يعرف كيف يشرحه، ويظل يسأل نفسه، إلى متى؟ وهل سيأتي اليوم الذي تتبدل فيه كل هذه الظروف؟. وفي خضم هذا التعب، قد يتسلل اليأس إلى القلب، ويبدأ الإنسان في الاعتقاد بأن ما يتمناه لن يتحقق، وأن الأبواب التي أغلقت أمامه لن تُفتح من جديد. لكنه لا يعرف أن الحياة لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، وأن اللحظة التي يظنها نهاية الطريق قد تكون بداية لحكاية مختلفة تماما. فكم من مرة ظننا أن الأمر انتهى، ثم حدث ما لم نتوقعه، وتغيرت أمور اعتقدنا أنها لن تتغير أبدا.
إنها حكمة الحياة التي لا ندركها دائما في وقتها، فبعض الأقدار تحتاج إلى صبر، وبعض الإجابات يأتي بعد طول انتظار، وبعض الأبواب لا نعرف لماذا أغلقت إلا حين نرى ما فتحه الله لنا بعدها. ولعل أصعب ما يواجه الإنسان ليس قسوة الظروف وحدها، بل ذلك الشعور بأن محاولاته لم تعد تجدي، وهنا يحتاج إلى أن يتمسك بالأمل، وأن يتذكر أن عجزه عن رؤية الحل لا يعني أن الحل غير موجود، وأن ضيق أفق اللحظة لا يعني أن المستقبل قد أغلق أبوابه.
وفي رحاب الإيمان، يجد القلب ما يعينه على مواصلة الطريق، ويستمد من الثقة بالله قوة تتجاوز حسابات الواقع ومخاوفه. ويظل قوله تعالى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى نافذة للأمل، تذكرنا بأن عطاء الله أوسع من تصوراتنا، وأن الرضا قد يأتي من طريق لم نفكر فيه، وفي وقت لم نكن نتوقعه. وليس معنى ذلك أن كل ما نتمناه سيتحقق كما نريد، وإنما أن نواصل السعي دون أن نفقد إيماننا، وأن نأخذ بالأسباب دون أن نستسلم للخوف، وأن نترك لله ما عجزنا عن تدبيره، ونحن على يقين بأن الغد قد يحمل ما لم يخطر لنا على بال.
وإذا كنت تمر الآن بمرحلة تشعر فيها أن كل شيء قد توقف، فلا تتعجل الحكم على حياتك، ولا تجعل لحظة ضعف تختصر مستقبلك كله. ربما تكون أقرب إلى التغيير مما تظن، وربما يحمل الغد بداية لم تكن تراها وسط تعب اليوم. وستأتي لحظة، قد تنظر فيها إلى الوراء وتتذكر كم كنت قلقا، وكم أثقل الانتظار قلبك، وكم مرة ظننت أن الأمل قد انتهى، ثم تبتسم وتقول، سبحان الله، كم كنت أظن أن الأمور لن تتغير، فإذا بها تتغير من حيث لم أحتسب
عندها ستدرك أن الحياة لم تكن قد انتهت عند تلك اللحظة الصعبة، وأن ما مررت به لم يكن كل الحكاية، وأن الأمل الذي كدت تفقده كان يستحق أن تتمسك به. فلا تيأس حين تتأخر الإجابة، ولا تنكسر حين تضيق الخيارات، ولا تفقد ثقتك بالله مهما اشتدت الظروف. واصل طريقك، وافعل ما تستطيع، واترك للغد فرصة أن يفاجئك بما لم تتوقعه.
فربما يأتي الفرج في اللحظة التي تظن فيها أن لا شيء سيتغير، وتكتشف أن بابا واحدا مفتوحا قد يعوضك عن أبواب كثيرة أغلقت، وأن عطاء الله قد يأتيك على نحو يجعلك تنسى مرارة الانتظار، وتحمده على ما مضى وما هو آت. فحين تظن أن الحكاية انتهت، تذكر أن الله قادر على أن يكتب لها بداية جديدة.. وأن ما بين ضيق اللحظة وسعة الفرج أمل لا ينبغي أن يموت.