عاش العالم خلال الأيام الماضية حدث وفاة الملكة إليزابيث الثانية، ملكة إنجلترا، لحظة بلحظة، منذ إعلان مرضها وساعاتها الأخيرة، ثم إعلان الوفاة وتنصيب ولى عهدها تشارلز، ثم مراسم الدفن التى امتدت لنحو اثنى عشر يوماً، وكانت تلك فرصة لوسائل الإعلام العالمية، خاصة الإنجليزية، أن تملأ الساعات والأيام بهذا الحدث الفريد، حتى إن كل أحداث العالم الأخرى، بما فيها الحرب، قد توقفت تماماً خلال تلك الأيام!
بالطبع الحدث مهم، بل مهم جداً، لكن من المؤكد أنه استثمر استثماراً جيداً جداً، يليق بعراقة الصحافة والإعلام فى الغرب، وهو درس بليغ لكيفية توظيف الأحداث أياً كانت ليصبح موقع الحدث هو بؤرة الاهتمام وما يتبع ذلك من استفادة على كل الأصعدة لهذا الحدث، وتتنوع الاستفادة بين ترسيخ الصورة العريقة للدولة والمكانة الدولية، والجذب السياحى وجذب الاستثمار وتأكيد قيم المجتمع وتقاليده وأشياء كثيرة يمكن إدراكها وأشياء يتم استيعابها شيئاً فشيئاً.
تلك التقاليد العريقة والمراسم الفخمة لم يتم الاهتمام بها والحفاظ عليها لمجرد أنها تقاليد أو بروتوكول، لكنها تقدم صورة أقدم ملكية بما يبهر العالم كله، ويجعله مندهشاً من كل هذه المظاهر، بينما هى فى الحقيقة مجرد شكل يعد هزلياً فى كثير من أشكاله، فتلك الملابس التى ينتمى بعضها للعصور الوسطى وتلك القبعات وهذا البطء الشديد فى الإجراءات، بما فى ذلك مرور الملك الجديد على دول الكومنولث لتأييده، كل هذا أصبح لا يتناسب مع مظاهر العصر الحديث، وهذا ما يعتقده الكثير من الإنجليز، خاصة الشباب، لكن معظم الشعب الإنجليزى يرى تاريخه وعراقته ووجوده فى تلك التقاليد، ويتأثر ويتحمس لممارستها، وهذا تماماً هو السبب الرئيسى لاستمرار الحكم الملكى فى إنجلترا حتى الآن، وهو أيضاً السبب الذى من أجله يتم تقديم مثل هذه الأحداث بتلك الفخامة والضخامة والثراء.
أما الأمر الآخر، فقد نجح الإعلام الغربى فى أن يجعل من الملكة إليزابيث فقيدة كل العالم، وأن يعم الحزن على كثير من دول العالم حتى الدول التى تمثل لهم ملكة إنجلترا دولة محتلة، وهذا تماماً هو توصيفها بالنسبة للشعب المصرى!
فالحقيقة أن الملكة إليزابيث ملكة عظيمة قادت بلدها بحكمة وعراقة تتناسب وتكوينها وتاريخها، ونجحت أن تظل لبلدها القيمة والمكانة المعتبرة بين دول العالم، حتى وإن كانت لا تحكم، لكن فى حدود صلاحيتها قد أدت واجبها باقتدار، ولكن من المؤكد أنها بالنسبة للشعب المصرى هى على رأس دولة احتلت هذا البلد واستغلت ثرواته، وجثمت على صدره عقوداً حتى تخلص من احتلالها واستغلالها بكفاح طويل، وهى الدولة التى صنعت إسرائيل، وعملت على حمايتها منذ عام ١٩١٧ وحتى يومنا هذا، وهى الدولة التى شاركت فى عدوان ١٩٥٦، وساندت إسرائيل على مدى عقود، وهى أيضاً الدولة التى ما زالت تأوى عناصر إرهابية وتكفيرية فى أراضيها وتقدم لهم المساعدات والإقامة.
هذا هو الدرس الأهم لهذا الحدث الكبير، ولا يجب علينا، مع تقديرنا لتاريخ ملكة إنجلترا وروعة شخصها، أن ننسى أنها كانت على عرش دولة احتلتنا واستنزفتنا وزرعت فى الجسد العربى شوكة ما زالت فى جسده حتى الآن.
a