لبيان القيمة الإيجابية للجماهير العربية لابد فى البداية إستظهار مفتاح الشخصية العربية ، وذلك من خلال إستعراض التاريخ السياسي العربي سريعاً والرجوع إلى الحقبات التاريخية للوقوف على أسباب تحور الشخصية العربية :
أولا : العصور القديمة والوسطى ” عصر الحاكم الأوحد ” : وهى الفترة السحيقة ما بين فترة
ما قبل التاريخ حتى ميلاد السيد المسيح وصولاً لفترة الدولة الإسلامية بداية من الخلافة حتى ظهور النظم الملكية بشتى أشكالها ، وتقدر تلك الفترة بألاف السنين ، وفى تلك العصور لم يكن هناك ما يسمى بالقيمة الإيجابية للجماهير العربية فى مواجهة السلطة حيث كان يطلق علي الجماهير مجموعة من الألفاظ والألقاب مثل ” العامة ، والسوقيين ، الدهماء ” وفى بعض الحقبات التاريخية المستبدة أطلق عليهم ” الرعاع ” وجميعها ألفاظ تدل علي دونية النظرة إلى الجماهير وانعدام دورها وقيمتها السياسية في إختيار الحاكم والذى ظهر جلياً في التسميات والألقاب التى كانت تطلق على الحكام مثل ” الفرعون ، الملك ، الأمير ، المرشد ، والحاكم بأمره ، الظافر ، القاهر ، وغيرها ” ويلاحظ على تلك العصور إفتقاد عامة الناس إلى التعليم وإنتشار الجهل
والفقر والتخاريف وكثرة المشعوذين ، وعندما يصل أحد العامة إلى درجة علمية كبيرة بمجهود شخصى تقوم السلطة بإستمالته مادياً بالإغداق عليه بالأموال وبتقريبه إلى مجلس الحاكم ، ومن ثم ينخرط بينهم وينسى أنه جاء من وسط الجماهير الفقراء فيفقد دوره التوعوى والتعليمى للمجتمع الذي نشأ فيه .
ثانياً : العصر الحديث وعصر النهضة : وهى الحقبة التاريخية من القرن الثامن عشر وصولاً إلى القرن التاسع عشر والتى أطلق العنان فيها للعلم والعلماء وانتشر فيها التعليم وإنشاء الدواوين ، وتدريجيا بدأ إستفتاء الجماهير على حكامهم حتى وإن كان استفتاء صوريا إلا أن ذلك حين شعرت السلطة بالحرج أمام العالم الذى إنتهج مفهوما جديداً لم تألف عليه الجماهير العربية التى فوجئت بسماح الحكام لها بأن تقول له ” نعم ، لا ” فى سابقة لم تعهد عليها حكامها وهنا بدأ هذا الشعور يتأصل فى نفوس الجماهير العربية ويكبر شيئاً فشيئا إلى أن وصلت معظم الدول العربية للتوسع في السماح للجماهير فى إختيار حكامهم من بين أكثر من شخص مرشح لتولى الحكم .
ثالثاً : عصر مدنية الدولة : وأطلق عليه عصر الطفرة السياسية بداية من القرن الحادي والعشرين خاصة مع تنامى ظاهرة الربيع العربي منذ عام ٢٠١١م ، والتى أصابت المجتمعات العربية ككل لتلفظ جميع الأنظمة المتجبرة حيث رفضت الشعوب العربية كل حاكم مستبد ، ومن هنا تشكل مفهوم مدنية الدولة نتيجة الفجوة السياسية السيكولوجية والزمنية بين السلطة والجماهير لتنشأ قوى جديدة تسمى ” القوى المدنية وحكم المجتمع المدني ” وإستمر في تلك الفترة الصراع بين القوى المدنية وظهيرها الشعبي أمام قوى النظم السابقة والتى أطلق عليها إسم “فلول النظام السابق ”
رابعاً : عصر الجمهوريات والممالك الجديدة : وهو عصر إحتواء القوى المدنية تحت رعاية السلطة الحاكمة في محاولة منها لإنقاذ الدولة من خلال فتح طرق للحوار الوطني بين جميع القوى السياسية للحفاظ على كيان الدولة ، وتعد مصر من أولى الدول العربية التى إنتهجت مفهوم الجمهورية الجديدة بقيادة معالى رئيس الجمهورية الرئيس/ عبد الفتاح السيسي ، الذى خلق رؤية استراتيجية لمستقبل أفضل لمصر وللمجتمع وهى رؤية ” مصر ٢٠٣٠ ”
وفى هذا السياق أوجه الشكر والتقدير لسيادته على تلك الرؤية الثاقبة من أجل دولة قوية متطورة كسابق عهدها .