عبدالرحيم عبدالباري
“شهادة جودة بحبر الاعتماد: ثورة صحية تبدأ من وحدات الرعاية الأولية بالقاهره”
في خطوة استراتيجية تعكس تحولًا جذريًا في البنية التحتية للقطاع الصحي المصري، أعلنت الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، برئاسة الأستاذ الدكتور أحمد طه، عن اعتماد 32 منشأة صحية جديدة، من بينها خمس وحدات رعاية أولية بالقاهرة. هذا الحدث لم يكن مجرد قرار إداري، بل هو رسالة واضحة بأن الدولة ماضية نحو تحقيق العدالة الصحية والارتقاء بمنظومة التأمين الصحي الشامل، وفق أعلى معايير الجودة المعترف بها دوليًا.
يشكل قرار الاعتماد الصادر عن اللجنة العليا نقلة نوعية في مسار إصلاح النظام الصحي المصري. فعدد المنشآت المعتمدة البالغ 32 يمثل أكثر من مجرد رقم؛ إنه انعكاس لإرادة سياسية ومهنية حقيقية لتحسين جودة الخدمات الصحية. وقد خضعت تلك المنشآت لتقييم صارم يتماشى مع المعايير الوطنية المعتمدة من منظمة “الإسكوا”، ما يمنحها مصداقية محلية وعالمية، ويعزز ثقة المواطن في الخدمة المقدمة له داخل المؤسسات الصحية العامة.
القاهرة تقود بوحدات نموذجية
سبع وحدات رعاية أولية في محافظة القاهرة حصلت على الاعتماد، في مقدمتها مركز طبي أسرة “أهالينا”، ومركز طب الأسرة “الخيالة”، إلى جانب وحدات “100 متر”، و”120 فدان”، و”زهرة العاصمة”. هذا الإنجاز لم يأتِ من فراغ، بل من متابعة دقيقة وجهود مكثفة بإشراف الدكتور حمودة الجزار، رئيس قطاع الصحة بالقاهرة، والدكتورة إيمان هارون، وكيل الطب الوقائي بالمديرية. هذه الوحدات تمثل نموذجًا يحتذى به في تقديم رعاية أولية فعالة ومتكاملة.
الجودة.. من شعار إلى ممارسة واقعية
أكد الدكتور أحمد طه أن المنشآت المعتمدة تساهم في بناء نظام صحي آمن ومستدام. فالالتزام بتطبيق معايير الجودة لا يعني فقط تحسين الخدمة، بل تقليل الأخطاء الطبية، وتحقيق أعلى درجات السلامة للمرضى. ومع التقييمات الدورية، تُخلق منظومة رقابية فعالة تعزز من كفاءة الأداء وتكشف نقاط التحسين. وبهذا تصبح الجودة ثقافة متجذرة في الممارسة الطبية اليومية، لا مجرد بروتوكولات على الورق.
الرعاية الأولية.. حجر الأساس للعدالة الصحية
تشكل وحدات الرعاية الأساسية البوابة الأولى للمنظومة الصحية الشاملة. فخدمات مثل رعاية الأم والطفل، وتطعيمات الأطفال، وتنظيم الأسرة، هي عناصر لا غنى عنها في أي مجتمع يسعى إلى تنمية بشرية حقيقية. ومن خلال تغطية الفئات الأكثر احتياجًا، تسهم هذه الوحدات في تقليص الفجوة الصحية بين المحافظات، وتفتح الباب أمام العدالة الصحية والتغطية الشاملة التي ينص عليها دستور مصر.
وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، تحتاج مصر إلى 10,600 وحدة رعاية أولية لتحقيق التغطية المثلى، في حين أن الموجود حاليًا لا يتجاوز نصف هذا الرقم. ما يعني أن هناك فجوة تقدر بـ 5,300 وحدة يجب إنشاؤها، خصوصًا في المناطق الريفية ومحافظات الصعيد. هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر وتسلط الضوء على أهمية التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد لضمان التوزيع العادل للخدمات.
الدور المحوري الذي تقوم به وزارة الصحة، بقيادة الوزير الدكتور خالد عبدالغفار، ونائبه للطب الوقائي الدكتور عمرو قنديل، ورئيس قطاع الرعاية الأساسية الدكتورة رشا خضر، يعكس تكاملًا حكوميًا وتنفيذيًا لتحقيق أهداف المنظومة الصحية. الهيئة العامة للاعتماد، من جانبها، تضمن أن هذا التطوير يخضع للمعايير الرقابية والجودة المطلوبة، مما يحول التوجيهات الوزارية إلى واقع ملموس في مختلف أنحاء الجمهورية.
تسعى الهيئة برئاسة الدكتور أحمد طه إلى ترسيخ ثقافة الجودة داخل المؤسسات الصحية، عبر برامج تدريبية ودعم فني مستمر. فالحصول على الاعتماد لا يكون فقط بتطبيق المعايير، بل ببناء عقلية مهنية تؤمن بأهمية التحسين المستمر ومشاركة المعرفة. وهو ما يُبشر بجيل جديد من المؤسسات الصحية أكثر وعيًا واحترافية، تسعى إلى التميز لا إلى الاكتفاء بالحد الأدنى من الخدمة.
بينما تتجه مصر بخطى ثابتة نحو تطبيق منظومة تأمين صحي شامل، يأتي اعتماد المنشآت الصحية ليعكس التزامًا جادًا تجاه المواطن، ويؤكد أن الجودة لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة وطنية. وما بين أرقام منظمة الصحة العالمية، والتحديات الميدانية، والإرادة السياسية، تتشكل ملامح مستقبل صحي واعد، حيث تبدأ رحلة الإصلاح من وحدات الرعاية الأولية وتمتد نحو مستشفيات تواكب تطلعات شعب يستحق الأفضل.