حسين السمنودي
في مساء يوم الجمعة 27 يونيو، أضاءت مؤسسة رسالة السلام بالقاهرة بالتعاون مع نادي “إيزي سبورتس” بالمقطم شمعة تنوير جديدة، من خلال ندوة فكرية عميقة تحت عنوان “الفن والتنوير”، جمعت كوكبة من المفكرين وأساتذة الجامعات والمثقفين، في لقاء وطني وإنساني من الطراز الأول، كان الهدف منه إعادة الاعتبار لقيمة الفن بوصفه أحد أهم روافد التنوير والوعي المجتمعي، والوقوف في وجه الموجة المتسارعة من الابتذال والانحدار الفني.
أدار الندوة الدكتور معتز صلاح الدين، رئيس مجلس أمناء مؤسسة رسالة السلام بالقاهرة، مرحبًا بالحضور ومؤكدًا أن الندوة تأتي في إطار الدور الريادي الذي تقوم به المؤسسة برعاية المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، في دعم مشروعات التنوير وتحرير العقول من أسر الجمود والانغلاق.
ولم يكن الحضور عاديًا، فقد ضم الندوة الأستاذ الدكتور حسن حماد، أستاذ فلسفة الفن وعلم الجمال والعميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة الزقازيق، الذي شغل موقع المتحدث الرئيسي في الندوة، بالإضافة إلى شخصيات فكرية بارزة من أعضاء مؤسسة رسالة السلام، منهم الدكتور جرجس عوض، والدكتور أبو الفضل الإسنوي، والأستاذ محمد فتحي الشريف، والأستاذ هشام النجار، وغيرهم، كما حضر نخبة من أساتذة الجامعات والمثقفين وأعضاء النادي.
في بداية الندوة، ألقى الأستاذ خالد الألايلي، مدير عام نادي “إيزي سبورتس”، كلمة ترحيبية أشاد فيها بدور مؤسسة رسالة السلام، مؤكدًا أن مثل هذه الندوات تُعد ضرورة ثقافية في الوقت الراهن، لما للفن من قدرة على التأثير وإحداث التغيير في وعي الأفراد والمجتمعات.
ثم كانت الكلمة للدكتور معتز صلاح الدين، الذي تناول التأثير التاريخي للفن في مصر والمنطقة العربية، مشيرًا إلى عظمة رموز الفن في الستينات كأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، واللذين كانا يُستقبلان كرؤساء دول من قبل زعماء عرب، وكيف ساهمت الكلمة والفن وقتها في دعم المجهود الحربي وبناء وعي الأمة، مقابل التراجع الحاد اليوم، حيث بات العنف هو البطل في كثير من الأعمال الفنية، وهو ما ينعكس سلبًا على أجيال الشباب.
أما الأستاذ الدكتور حسن حماد، فقد كان كعادته عميقًا، نبيهًا، ومباشرًا في أطروحاته؛ إذ تناول محاور غاية في الأهمية: معنى الفن والتنوير، علاقة الفن بالدين والأخلاق، وظيفة الفن الجمالية والتنويرية، ودور الكلمة في صناعة الإنسان وتشكيل وجدانه، مشيرًا إلى أن الفن هو القوة الناعمة للحضارة، لكنه يواجه اليوم نوعين من الهدم: “ثقافة الابتذال الرأسمالي”، و”ثقافة التديين”، حيث تتم محاصرة الإبداع ومحاولة فرض وصاية دينية على الفن.
وانتقد الدكتور حماد بشدة موجة “أغاني المهرجانات” التي أثرت سلبًا على الذوق العام، محذرًا من تفريغ الفن من معانيه لصالح الإيقاع الرخيص، وداعيًا الدولة إلى استعادة دورها في دعم الفن الراقي، ومواجهة المبتذل بنفس قوة مواجهتها للمخدرات، لأن الفن الرديء -في رأيه- يدمر المجتمعات روحيًا وثقافيًا. كما طالب بضرورة تصحيح الخطاب الديني ليتناغم مع القيم الجمالية والإنسانية التي يحملها الفن.
وخلال المداخلات، تناول المتحدثون أفكارًا ثرية: الأستاذ هشام النجار دعا إلى كسر احتكار التنظيمات المتطرفة للخطاب الفني والديني معًا، مشيرًا إلى أهمية توظيف الفن العالمي لتقديم صورة إيجابية عن الإسلام والمسلمين. واستشهد بالمخرج الراحل مصطفى العقاد وأفلامه التي نقلت الإسلام إلى الغرب بصورة إنسانية نبيلة.
أما الدكتور عبد الله شلبي، فقد نوّه إلى أن الفن في الخمسينات والستينات كان جزءًا من مشروع الدولة التنويري، بعكس الوضع الحالي الذي صار فيه الفن ساحة مفتوحة للتدخلات الدينية والانغلاق. بينما حذر الدكتور سمير فاضل من محاولات “تديين التنوير” ذاتها، مؤكدًا على أهمية الإبقاء على الفن كمساحة حرة ومستقلة للتعبير.
وكانت كلمات الدكتور جرجس عوض حاسمة حين أشار إلى أن الفن ولد من رحم الدين، ومن الخطأ الوقوف في مواجهته، بل يجب أن يتحالف الاثنان لإعلاء القيم الإنسانية، محذرًا من خطر الانحدار الذي تقوده الفنون الهابطة، ومؤكدًا أن الفن الهابط يجب أن يُحارب كما تُحارب آفة المخدرات.
وتحدث أيضًا الدكتور أبو الفضل الإسنوي عن تطور تناول قضايا الإرهاب في الأعمال الفنية، مشيرًا إلى اختلاف النظرة بين ما أنتجته السينما المصرية في الثمانينات، وما تقدمه الآن الشركة المتحدة في مسلسل “الاختيار”، مؤكدًا على الحاجة إلى روايات أكثر عمقًا وواقعية.
وكان ختام الندوة مع التعقيب الثري للدكتور حسن حماد الذي أشار إلى أن مشاريع التنوير في العالم العربي غالبًا ما كانت فردية ومحاصرة، ضاربًا المثل بالمفكرين زكي نجيب محمود والمعتزلة، الذين تعرضوا للمصادرة والتكفير، مشددًا على أن التنوير لا يتم إلا بتكامل القوى الثلاث: الفن، والعلم، والدين، وكلها تحتاج لإرادة سياسية وشعبية.
وفي ختام الندوة، وجّه الدكتور حماد الشكر العميق إلى المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، على دعمه المستمر لقيم التنوير، وللدكتور معتز صلاح الدين على جهوده في تنظيم مثل هذه الفعاليات التي تفتح نوافذ الفكر وتبني جسور المستقبل.
لقد كانت ندوة “الفن والتنوير” خطوة مهمة في مسيرة طويلة من المواجهة الفكرية والثقافية، ضد كل ما يشوه الوعي ويختطف الجمال من حياتنا. هي دعوة لأن يعود الفن إلى مجده، وأن يصبح التنوير مشروع أمة، لا مجرد حلم نخبة.