عبدالرحيم عبدالباري
أطفال مصر وصحة المستقبل: قراءة تحليلية في المؤتمر الدولي الخامس لطب الأطفال
تحت شعار البحث عن مستقبل صحي أكثر إشراقاً لأطفال مصر، تنطلق فعاليات المؤتمر الدولي الخامس لطب الأطفال على مدار ثلاثة أيام متتالية 27 و28 و29 أغسطس. المؤتمر، الذي يشهد مشاركة واسعة من أساتذة ورؤساء أقسام طب الأطفال بكليات الطب في الجامعات المصرية، يجمع أكثر من ألفي طبيب وطبيبة من مختلف التخصصات المعنية بصحة الأطفال. هذه التظاهرة العلمية ليست مجرد لقاء أكاديمي، بل تعد ملتقى وطنياً وإقليمياً يربط بين الأبحاث الحديثة والخطط الاستراتيجية للدولة، بما يخدم تحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة لأطفالنا.
يرأس المؤتمر الأستاذ الدكتور شريف الأنواري أستاذ طب الأطفال ومدير مستشفى أبو الريش المنيرة بجامعة القاهرة، إلى جانب الدكتورة ولاء الأمير أستاذ طب الأطفال بالجامعة، والدكتور أحمد جلال سكرتير عام المؤتمر. فيما يتولى الرئاسة الشرفية كل من الأستاذ الدكتور أيمن البدوي، رائد الرعاية المركزة لحديثي الولادة، والأستاذة الدكتورة إيمان إحسان رئيسة أقسام طب الأطفال بقصر العيني. هذه الأسماء اللامعة تعكس ثقل المؤتمر وأهمية ما سيُطرح فيه من قضايا علمية وعملية، تعكس خبرة ممتدة عبر عقود من العمل في أروقة المستشفيات وقاعات البحث العلمي.
يناقش المؤتمر قضايا محورية ترتبط بصحة الأطفال، على رأسها خطة الدولة لتعزيز الرعاية الصحية في مجالات علاج قصر القامة، والتطعيمات، والوقاية من الأمراض. وتكتسب هذه الموضوعات حساسية بالغة في ظل التحديات التي تواجهها المنظومة الصحية، خاصة أن قصر القامة والتأخر في النمو يمثلان جانباً نفسياً واجتماعياً إلى جانب البعد الطبي. كما يركز المؤتمر على شق توعوي بالغ الأهمية يتعلق باستخدام أجهزة البخار في علاج أمراض الجهاز التنفسي، ودور الفيتامينات في دعم جهاز المناعة، وهو ما يسهم في رفع وعي المجتمع والأسر تجاه الممارسات الصحية السليمة.
وعلى هامش المؤتمر، تُعقد خمس ورش عمل تجمع بين الجانب العملي والنظري، حيث يتم تدريب الأطباء على أحدث التقنيات في استخدام جهاز التنفس الصناعي للأطفال، إلى جانب مضخات الأنسولين التي تمثل نقلة نوعية في علاج الأطفال المصابين بمرض السكري. كما تغطي الورش محاور دقيقة مثل الأمراض العصبية، والتقنيات الحديثة لعلاج التشنجات عند الأطفال، بالإضافة إلى ورشة متخصصة في الغسيل الكلوي للأطفال، وهو موضوع حيوي في ظل ازدياد الحالات المصابة. وتسلط الورش الضوء كذلك على الأمراض الجينية والوراثية النادرة، ما يجعلها إضافة نوعية للبرنامج العلمي.
ويتميز المؤتمر بمشاركة نخبة من الخبراء الذين يشكلون علامات بارزة في تاريخ طب الأطفال في مصر، ومنهم الدكتورة عزة يوسف، والدكتور أحمد البليدي، والدكتورة ماجي لويس، والدكتورة ماريان يسري، والدكتورة سناء يوسف, والدكتور عبدالرحمن المشد، والدكتور حافظ بازرعة. هؤلاء الرواد بخبراتهم المتنوعة يثرون النقاشات، ويعززون فرص نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة من الأطباء. وتكمن أهمية هذه المشاركة في الدمج بين الخبرة التاريخية والرؤى المعاصرة، بما يضمن استدامة تطوير التخصص، وبناء جسور بين الأجيال المختلفة من الكوادر الطبية.
أهمية المؤتمر لا تقتصر على عدد الحضور أو أسماء المشاركين، بل تكمن في كونه منصة وطنية لإطلاق توصيات عملية من شأنها أن تؤثر في السياسات الصحية المتعلقة بالأطفال. فبمشاركة أكثر من ألفي طبيب وطبيبة، يمثل المؤتمر حلقة وصل بين الجهود البحثية الفردية والتطبيق على مستوى الدولة. ومن المتوقع أن تسهم المناقشات في صياغة رؤى جديدة تدعم خطط وزارة الصحة لتقليص نسب الإصابة بالأمراض الشائعة بين الأطفال، وتوفير بروتوكولات علاجية أكثر دقة وملاءمة للواقع المصري.
إن انعقاد المؤتمر الدولي الخامس لطب الأطفال في رحاب جامعة القاهرة ليس حدثاً علمياً عادياً، بل هو خطوة استراتيجية ضمن مسيرة مصر نحو تعزيز الرعاية الصحية للأطفال، ورفع كفاءة الأطباء العاملين في هذا المجال الحيوي. المؤتمر يمثل رسالة أمل بأن المستقبل الصحي لأطفال مصر في أيدٍ أمينة، تجمع بين خبرة الأساتذة الكبار وطموح الأجيال الجديدة، وبين البحث العلمي والواقع التطبيقي. وبذلك يصبح هذا الحدث محطة مضيئة في مسار الطب المصري، ورسالة للعالم بأن مصر قادرة على قيادة الجهود العلمية في خدمة صحة الطفل.