عبدالرحيم عبدالباري
في نيويورك، وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، خطت وزارة الصحة والسكان المصرية خطوة جديدة تثبت بها مكانتها الريادية على الساحة الصحية العالمية، وذلك من خلال مشاركتها في الاجتماع السنوي الرابع لتحالف أصدقاء الأمم المتحدة للقضاء على الالتهاب الكبدي. الحدث لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل تجسيد لرؤية مصرية واضحة وملهمة، تعكس إصرار الدولة على أن تكون في طليعة القوى الداعمة لقضايا الصحة العالمية، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الأمراض التي تهدد حياة الملايين.

أكد الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن استمرار مصر في رئاسة تحالف أصدقاء الأمم المتحدة للعام الثالث على التوالي يعكس ثقة المجتمع الدولي في التجربة المصرية الناجحة، ويبرهن على أن خبرتها في مكافحة الفيروسات الكبدية باتت نموذجًا عالميًا يُحتذى به. هذا التقدير الدولي لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة جهد متواصل، وسياسات مدروسة، وبرامج عملية أثبتت فعاليتها في تقليص معدلات الإصابة، وتعزيز فرص العلاج، وتوسيع مظلة الرعاية الصحية.
وخلال الاجتماع، ألقى الدكتور محمد حساني، مساعد الوزير لشؤون المشروعات ومبادرات الصحة العامة، كلمة مصر نيابة عن الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان. الكلمة لم تقتصر على إبراز النجاحات الوطنية فحسب، بل حملت بعدًا دبلوماسيًا واسعًا، حيث سلطت الضوء على الإنجازات التي حققها التحالف خلال السنوات الثلاث الماضية، في رفع قضية الالتهاب الكبدي إلى واجهة النقاشات العالمية، وربطها بشكل وثيق بملفات التغطية الصحية الشاملة، والأمراض غير السارية، وأهداف التنمية المستدامة.
شدد حساني في كلمته على أن الالتهاب الكبدي لا يزال من أخطر التحديات الصحية عالميًا، إذ يودي بحياة أكثر من مليون إنسان سنويًا. كما أشار إلى أن ملايين المصابين يعيشون في الظل، دون تشخيص أو علاج، وهو ما يجعل القضاء على المرض مسؤولية إنسانية قبل أن تكون التزامًا صحيًا. هذه الرسالة الإنسانية جاءت لتؤكد أن التضامن الدولي لم يعد خيارًا بل واجبًا، وأن العمل الجماعي وحده قادر على تحويل هذا التحدي إلى قصة نجاح.
ولكي لا تبقى الجهود أسيرة الكلمات والشعارات، دعا حساني إلى وضع خارطة طريق واضحة للمرحلة المقبلة، ترتكز على أربعة محاور رئيسية: تعزيز الالتزام السياسي العالمي عبر الدعوة لاجتماع رفيع المستوى بالأمم المتحدة، دمج الجهود ضمن إطار الأمراض غير السارية وأهداف التنمية المستدامة، تعبئة التمويل المستدام وبناء شراكات مبتكرة مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية، وأخيرًا تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتبادل الأدوات والمعرفة. هذه الرؤية الشاملة تكشف عن مقاربة عملية تؤمن بأن مواجهة المرض تتطلب تحالفًا واسعًا، يجمع بين السياسة والاقتصاد والعلم.
لم يغفل الاجتماع عن استعراض التجربة المصرية الرائدة، التي باتت محط إعجاب العالم. فقد نجحت مصر في فحص أكثر من 60 مليون مواطن، وقدمت العلاج المجاني لملايين المرضى، حتى وصلت بمعدلات انتشار فيروس “سي” إلى مستويات تقترب من الانعدام. هذا الإنجاز التاريخي منح مصر الإشهاد الذهبي من منظمة الصحة العالمية كأول دولة في العالم تُعلن خلوها من الفيروس، لتتحول من بلد كان يُعرف بأنه أحد بؤر المرض، إلى نموذج عالمي في القدرة على المواجهة والانتصار.
في ختام الاجتماع، أكد ممثلو مصر أن تحالف أصدقاء الأمم المتحدة لم يعد مجرد تجمع محدود، بل قوة دبلوماسية عالمية تحمل في جعبتها حلمًا يمكن تحقيقه: القضاء التام على الالتهاب الكبدي. هذا التحالف، بقيادة مصر، يثبت أن العمل الجماعي قادر على كسر التحديات وتحويل المستحيل إلى ممكن، ويعزز الأمل في مستقبل صحي أكثر عدلاً وإنصافًا، حيث لا يُترك مريض خلف الركب. إنها رسالة مصر للعالم: “نعم، يمكننا أن ننتصر على المرض إذا توحدنا.
وعند مقارنة التجربة المصرية بنماذج أخرى عالميًا، يظهر بوضوح حجم التفوق المصري. ففي الوقت الذي تمكنت مصر من فحص أكثر من 60 مليون مواطن وتقديم العلاج المجاني لنحو 4 ملايين مصاب، لم تتجاوز بعض الدول ذات الإمكانات الاقتصادية الأكبر ربع هذا العدد من الفحوصات أو نسبًا أقل من نصف معدلات العلاج. فبينما اقتربت مصر من القضاء التام على فيروس “سي” وحصلت على الإشهاد الذهبي من منظمة الصحة العالمية، ما زالت بلدان متقدمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا تعاني من نسب إصابة ملحوظة تصل إلى مئات الآلاف سنويًا. هذه المقارنة تبرز أن الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية يمكن أن تتفوق على القدرات المادية وحدها، وتجعل من مصر نموذجًا عالميًا يُدرّس في كيفية تحويل التحديات الصحية إلى قصة نجاح وطنية ملهمة.
من نيويورك إلى كل عاصمة في العالم، تواصل مصر نشر رسالتها بأن الصحة حق عالمي لا يقبل المساومة. مشاركتها في هذا الاجتماع لم تكن مجرد دبلوماسية صحية، بل التزام إنساني عابر للحدود. ومع قيادتها لتحالف أصدقاء الأمم المتحدة، يتأكد أن الحلم بالقضاء على الالتهاب الكبدي لم يعد بعيد المنال، بل يقترب يومًا بعد يوم، بفضل إرادة سياسية قوية، وتجربة رائدة، وتحالفات عالمية تسير نحو غدٍ خالٍ من الألم والمرض.