في لحظة تاريخية فاصلة، حيث يبدأ غبار الحرب في الخفوت، وتنكشف أولى ملامح الدمار الشامل، يطلّ الحقوقي والمحلل البارز نبيل أبوالياسين على العالم ببيان صحفي تاريخي، ليضع النقاط على الحروف في مشهد ما بعد العاصفة. من تحت أنقاض غزة، حيث لا تزال ذاكرة الدماء والأطفال تحت الركام تخترق ضمير الإنسانية، يروي أبوالياسين قصة صمود شعب وانهيار أخلاقي لدول عظمى. بينما يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحويل أنقاض غزة إلى سلم يصعد عليه نحو جائزة نوبل للسلام، يثور الشعب الأمريكي في أكثر من 1700 مدينة تحت شعار “لا ملوك”، رافضًا سياساته الاستبدادية وتجاهله لجرائم الحرب. في هذه اللحظة التي تتكشف فيها الأوراق، يظل السؤال الأبرز: هل بدأت لعنة دماء الأبرياء تلاحق من تسبب بجراحهم؟
الحراك الشعبي الأمريكي: رفض للاستبداد ورفع لشعار “لا ملوك”
أشار نبيل أبوالياسين إلى أن الشارع الأمريكي يشهد حراكاً تاريخياً غير مسبوق، حيث يستعد لموجة احتجاجات وطنية واسعة تحت شعار “لا ملوك”، وذلك في رد فعل طبيعي على ما وصفه المنظمون بـ”تنامي النزعة الاستبدادية” في إدارة الرئيس دونالد ترامب. ولفت إلى أن هذه الاحتجاجات التي تمتد إلى نحو ألفي فعالية في حوالي 1700 مدينة، تعبر عن رفض عميق للسياسات الأمريكية الداعمة لجرائم الحرب في غزة، ورفضاً للممارسات المقنعة التي تنتهك الحريات المدنية. ووضح أن هذا الحراك الشعبي الضخم، الذي يدعمه اتحادات ونقابات باركة، يثبت أن الشعب الأمريكي لم يعد قادراً على التماهي مع سياسات ترامب المتطرفة، ويؤكد أن الإدارة الأمريكية فقدت شرعيتها الأخلاقية بتماهيها الكامل مع الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.
تورط ترامب المباشر: اعترافات بالجريمة وسعي وراء نوبل
وشدد أبوالياسين على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدم، ربما من حيث لا يدري، أعظم الأدلة ضد إسرائيل وحليفته الولايات المتحدة. وأكد أن اعتراف ترامب الصريح في الكنيست الإسرائيلي بأن “نتنياهو كان يتصل بي ويطلب شتى أنواع الأسلحة الفتاكة التي لم أسمع عنها من قبل وكنت أرسلها له” هو إقرار رسمي بالمشاركة المباشرة في جريمة الإبادة. ووضح أن هذا الاعتراف سيسجل في ملف قضية الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية كدليل دامغ على التواطؤ الأمريكي. كما هاجم أبوالياسين بأسلوب لاذع التصريحات الاستهزائية لترامب والتي وصفها بـ”الهمجية”، حين سخر من قادة مصر والعالم العربي، متسائلاً: هل يعقل أن يصدر هذا من رئيس دولة يُنظر إليها كزعيمة للعالم؟ هذه سخرية سافرة لا تصدر إلا من لص دولي أو معتوه مختل.
المجاعة كسلاح: إعلان أممي تاريخي يفضي السياسة الإسرائيلية
ولفت أبوالياسين إلى أن إعلان الأمم المتحدة الرسمي عن تفشي المجاعة في غزة يمثل لحظة فارقة في الصراع، ووصفه بأنه “شهادة دولية دامغة على الجريمة التي يرتكبها الاحتلال بحق أكثر من مليوني إنسان محاصر”. وأكد أن هذا الإعلان يؤكد أن سياسة التجويع تُستخدم كأداة من أدوات الحرب والإبادة الجماعية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. وشدد على أن محاولات الاحتلال السافرة لإنكار هذه الحقيقة الموثقة تظهر مدى استخفافه بالقوانين الدولية. ووصف أبوالياسين تصريحات الوزير الإسرائيلي سموتريتش الذي قال “لن تدخل حتى حبة قمح واحدة إلى غزة” بأنها تمثل اعترافاً صريحاً بتبني سياسة الإبادة الجماعية، مؤكداً أن مثل هذه التصريحات تشكل أدلة قاطعة في المحاكم الدولية.
الدعم التركي والدولي: تحالف لإعمار غزة وضمانات ضد الانتكاس
وأشاد أبوالياسين بالدور التركي البارز في تحريك المجتمع الدولي، مشيراً إلى التصريحات التاريخية للرئيس رجب طيب أردوغان، الذي تعهد بحشد دعم دولي واسع النطاق من دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا لإعادة إعمار القطاع المدمر. وأكد أن هذا الموقف التركي يمثل داعماً رئيسياً للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية. ولفت إلى أن أردوغان، وفي قراءة واقعية، حذر إسرائيل من دفع “ثمن باهظ إذا أعادت الإبادة الجماعية مرة أخرى”، مستنداً في ذلك إلى سجل إسرائيل السيئ في الالتزام بوقف إطلاق النار، مما يقتضي رقابة صارمة من المجتمع الدولي لضمان تنفيذ الاتفاقيات. ووضح أن الضغط الأوروبي المتزايد على ترامب لضمان أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يقوض مستقبل الدولة الفلسطينية، يمثل عاملاً مهماً في تحقيق سلام عادل وشامل.
المحاسبة الدولية: طريق لا مناص منه نحو العدالة
وطالب أبوالياسين بمحاسبة مجرمي الحرب قضائياً، مؤكداً أن “السلام لا يعني أبداً أن ننسى جريمة الإبادة والتجويع التي طالت آلاف الأبرياء”. وشدد على أن أي اتفاق هدنة بين “حماس” وإسرائيل لا يمكن أن يكون مبرراً لـ”الإفلات من العقاب”. وأكد أن الفاعلين الرئيسيين في الإبادة الجماعية في غزة، من قادة سياسيين وعسكريين، يجب أن يواجهوا المساءلة القضائية العادلة، فالكلمة الفصل ستكون لمحكمة العدل الدولية. وأشار إلى أن دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل ستستمر في فضح جرائم الإبادة الجماعية وتجريم مرتكبيها أمام المجتمع الدولي، بغض النظر عن تطورات المفاوضات على الأرض، معتبراً هذا الموقف ضمانة دولية وقانونية مهمة تُحبط أي محاولة لاستخدام الصفقة السياسية كستار للتنصل من المساءلة.
الطريق إلى الأمام: إعمار غزة وليس إفلاتاً من العقاب
وشدد أبوالياسين على أن اللحظة الراهنة تتطلب تحركاً جاداً على عدة مسارات. أولها، المضي قدمًا في ملاحقة مجرمي الحرب قضائيًا، وعدم السماح بمرور الوقت على جريمة الإبادة. ثانيها، أن تتحمل إسرائيل، كونها الطرف المدمر، الجزء الأكبر من تكاليف إعادة إعمار ما دمرته في غزة، بدلاً من تحميل دول الخليج والاتحاد الأوروبي الفاتورة كما حدث دائمًا. ثالثها، وأهمها، الضغط من أجل خريطة طريق حقيقية تؤدي إلى حل الدولتين، وليس مجرد “عملية سلام” عقيمة لإضاعة الوقت، مؤكدًا أن غزة ستظل مشروعًا إنسانيًا أبديًا للفلسطينيين، ولن تتحول أبدًا إلى “مشروع عقاري” لإسرائيل.
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي التاريخي قائلاً: ها هو ترامب نفسه يفضحهم في محرابهم الأقدس، الكنيست، يتباهى بإرسال أسلحة لم يسمع بها العالم من قبل، ويشيد بـ”براعة” إسرائيل في استخدامها! إنه يستعرض بفخر القنابل التي مزقت أجساد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وسط ضحكات قادة الاحتلال. العالم يشاهد انهيار النظام الأخلاقي الدولي، والشارع الأمريكي يثور ضد آلة القتل، والأمم المتحدة تعلن المجاعة في غزة. إن الإفلات من العقاب الذي يتمتعون به أمر يثير الاشمئزاز، بينما في عالمٍ يحترم القانون والإنسانية، كان من المفترض أن يُحاكموا كمجرامي حرب. لكن غزة، بشعبها وصمودها، ستظل الشاهد الأبدي على جريمتهم، وستكون الذاكرة الحية التي تضمن ألا يضيع حق وراءه مطالب. إنها ليست معركة نوبل لترامب، بل هي معركة مصير بين القوة العمياء والعدالة الإنسانية، ولن تكفي أي جائزة لتحقيق العدالة، ولن تهدأ ضمائرنا إلا عندما تتحول دماء الأطفال إلى حقيقة توقف آلة الحرب.