في ظل الغطرسة السياسية التي تميز بها عهد ترامب منذ أشهره الأولى، والتي وصفها المراقبون بأنها “انتقامية” تدفع بالعالم برمته نحو الهاوية، من دعمه المطلق لإبادة جماعية في غزة، وصولاً إلى تقويض أسس الديمقراطية الأمريكية من الداخل، ما دفع آلاف المدن الأمريكية إلى الخروج في 2500 مظاهرة ترفض سياسته الداخلية والخارجية. في خضم هذا المشهد الملتهب، يصدر الحقوقي والباحث البارز نبيل أبو الياسين بيانه الصحفي الناري اليوم، مُسلطًا الضوء على زوايا الأزمة التي تهدد كيان أمريكا الدستوري.
شوارزنيجر و”الاحتيال الكبير” انهيار المبادئ في موطن الديمقراطية
وأشار نبيل أبو الياسين إلى الهجوم غير المسبوق الذي شنه النجم الجمهوري والحاكم السابق لكاليفورنيا، أرنولد شوارزنيجر، على حاكم الولاية الحالي جافين نيوسوم، واصفًا مساعيه لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بأنها “عملية احتيال كبيرة”. ولفت أبو الياسين إلى أن شوارزنيجر، رغم انتمائه للحزب الجمهوري، قد فضح الممارسة الديمقراطية التي تهدف إلى “تمزيق الدستور في كاليفورنيا والتخلص من اللجنة المستقلة”، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمثل سحبًا للسلطة من الشعب وإعادتها إلى أحضان السياسيين الفاسدين، في سابقة خطيرة تكرس لسياسة “الكيل بمكيالين” التي تميز بها النظام الحالي.
احتجاجات “لا ملوك” الشعب الأمريكي يرفض التاج
ولفت المحلل أبو الياسين إلى أن تصريحات شوارزنيجر لم تأت في فراغ، بل تتزامن مع خروج ملايين الأمريكيين إلى الشوارع في أكثر من 2500 موقع تحت شعار “لا ملوك”، رافضين ما وصفوه بالاستيلاء الاستبدادي للسلطة من قبل ترامب. ونوه إلى أن هذه الاحتجاجات الضخمة، التي يسعى مؤيدو ترامب لتقليل شأنها، هي تعبير صريح عن رفض الشعب الأمريكي لتحول البلاد نحو نظام شبه ملكي، مستشهدًا باستطلاعات الرأي التي أشارت إلى أن أكثر من نصف الأمريكيين يعتقدون أن ترامب “يريد أن يكون ملكًا”، في مؤشر على عمق الأزمة الدستورية التي تواجهها الأمة.
الديمقراطيون وحرب الدستور: معركة البقاء على القيم
وأضاف أبو الياسين أن الهجوم على الديمقراطية لم يعد مقتصرًا على الخطابات، بل تحول إلى إجراءات ملموسة تهدد العمارة الدستورية للبلاد. ووضح كيف أن تصريحات شخصيات ديمقراطية بارزة مثل السيناتور كريس ميرفي، الذي وصف ترامب بأنه “الرئيس الأكثر فسادًا في تاريخ أمريكا”، أو تحذيرات السيناتور رافائيل وارنوك من خطورة وصف ترامب للمعارضين بـ “العدو من الداخل”، كلها تؤكد أن المعركة قد أصبحت معركة وجود لحماية الدستور من التفكيك المنهجي، والذي يتجلى في نشر القوات العسكرية لمراقبة المدنيين واستهداف المحامين والقضاة.
غزة والشرق الأوسط: تصدير الأزمة الداخلية بدم الفلسطينيين
وشدد الباحث نبيل أبو الياسين على أن سياسات ترامب الاستبدادية في الداخل لا تنفصل عن دعمه غير المحدود لجرائم الحرب في الخارج. وأكد أن اتهامات الخارجية الأمريكية لحماس ما هي إلا “محاولة يائسة لتصدير المشاكل الداخلية” وتوفير غطاء لاستئناف الإبادة في غزة. ولفت إلى أن رد حركة حماس، الذي وصف تلك الادعاءات بأنها “تتساوق مع الدعاية الإسرائيلية”، يكشف الحلقة الشيطانية التي ينسجها ترامب ونتنياهو لحرق المنطقة وحرمانها من الاستقرار، داعيًا المجتمع الدولي إلى التصدي لهذا “التحالف الشيطاني” الذي لا يرعى إلا لغة الدم والدمار.
أمل المقاومة: قوة الشعب في مواجهة آلة القمع
ونوه أبو الياسين في ختام تحليله إلى أن المشهد الأمريكي، رغم قتامته، يحمل بين طياته بذور الأمل. وأشار إلى أن تنظيمات مثل اتحاد الحريات المدنية الأمريكي (ACLU) تؤكد أن تاريخ المقاومة والمرونة الشعبية هو الذي سيحمي الديمقراطية في النهاية. ووضح أن قوة التغيير تكمن في تلك الحشود التي ترفض الصمت، وفي أولئك الذين يتذكرون دائمًا أن السلطة في نهاية المطاف هي للشعب، وأن الاستسلام لطغمة السلطة ليس خيارًا، خاصة عندما تكون القضية هي الدفاع عن القيم الإنسانية الأساسية والعدالة.
وختم نبيل أبو الياسين بيانه الصحفي قائلاً: ما نشهده اليوم هو ليس مجرد صراع سياسي عابر، بل هو معركة مصيرية بين نور الحرية وظلام الاستبداد. إن أمريكا التي رفعت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان للعالم تقف اليوم على حافة الهاوية، يقودها تحالف شيطاني بين سلطة داخلية متغطرسة وحليف خارجي “نتنياهو” متعطش للدماء. إن صرخات المتظاهرين في شوارع واشنطن ولوس أنجلوس، ودماء الأطفال في غزة، وصمت الضمير العالمي، كلها تشكل فصلًا من فصول هذه الملحمة الدرامية. لكن التاريخ يعلمنا أن جبروت الطغاة مؤقت، وأن إرادة الشعوب هي الأبقى. إننا إزاء لحظة حقيقة، إما أن تنتصر فيها إنسانية الإنسان، أو يسقط العالم كله في براثن عصر جديد من الهمجية. الخيار الآن، والشاهدون كثر.