في مشهد يعمّه الفوضى وتغيب فيه ملامح النظام العالمي، ها هو النظام الدولي الذي نعرفه يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة عظمة السلطة والغطرسة الواهنة. دول عظمى ساهمت في تأسيس هذا النظام أصبحت تقضي عليه، ليتحول العالم إلى ساحة لصراعات مافيا دولية، إحداها تستعرض عضلاتها والأخرى تهدد بذراعها النووي، بينما تدفع الشعوب الثمن من دمائها ومعاناتها. في هذا المشهد الكابوسي، يطلّ علينا الحقوقي والمحلل البارز نبيل أبو الياسين ببيان صحفي تاريخي يفضح فيه هذه السياسات الإرهابية التي ترهب البشر ولا تأبه لمعاناتهم.
استعراض القوة النووية وتصعيد الخطاب
أكد نبيل أبو الياسين أن المشهد الدولي يشهد تصعيداً خطيراً في سباق التسلح النووي بين واشنطن وموسكو، حيث أشار إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن منذ ساعات عن إجراء تجربة ناجحة لصاروخ “بوريفيستنيك” العابر للقارات والقادر على حمل رؤوس نووية، وهو مرتدياً البدلة العسكرية في رسالة تحدي واضحة للعالم. من جهة أخرى، لفت أبو الياسين إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رد على هذا الاستعراض بتهديد صريح عبر فيه عن وجود “أفضل غواصة نووية في العالم” قبالة السواحل الروسية مباشرة. ووضح الحقوقي أن هذا التبادل في التصريحات والتهديدات النووية المباشرة يعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة، لكن بأساليب أكثر خطورة وعشوائية، حيث لم يعد هناك أي اعتبار لأمن الشعوب أو مستقبل البشرية.
تدهور العلاقات الروسية الأمريكية
أشار الباحث أبو الياسين إلى أن العلاقات بين موسكو وواشنطن وصلت إلى أدنى مستوياتها التاريخية، حيث أوضح أن قناة الحوار بينهما شبه مقطوعة ولم تبذل سوى جهود خجولة وغير كافية لتحسينها. ولفت إلى تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي اتهم الأوروبيين بممارسة “ضغط هائل لا يصدق” على واشنطن لمنع أي تعاون أمريكي روسي، كما هاجم لافروف ما وصفه بـ”الصقور” الأوروبيين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتعطيل جهود السلام. وأضاف أبو الياسين أن هذا التدهور في العلاقات لم يعد يخدم مصالح أي من الطرفين، وإنما يزيد من معاناة الشعوب العالقة بين مطرقة الصراع وسندان السياسات الدولية المتعنتة، مؤكداً أن الدبلوماسية التقليدية أصبحت عاجزة عن معالجة هذه الأزمات المتشابكة.
تفكيك آليات الثقة وتصعيد غير مسبوق
كشف نبيل أبو الياسين عن خطوة بالغة الخطورة تجاوزت التصريحات الاستفزازية إلى تفكيك آخر ما تبقى من آليات منع الحروب، حيث أشار إلى أن موسكو أوقفت تمامًا “الإخطار النووي” مع واشنطن، بما في ذلك الإخطارات بشأن الأنشطة النووية والإطلاقات التجريبية. ووضح أبو الياسين أن هذه الخطورة تكمن في تحويل الصراع إلى لعبة عمياء، حيث تمثل هذه الإخطارات أحد آخر خطوط التواصل بين العملاقين لمنع سوء التقدير والانزلاق إلى حرب لا تحمد عقباها. وأضاف محذرًا من أن التصعيد لم يعد لفظيًا فقط، بل دخل مرحلة التنفيذ العملي عبر تصريحات مسؤولي الكرملين بأن روسيا ستجري تجربة نووية فورًا إذا فعلت الولايات المتحدة ذلك، في استعراض للمراوغة باللعبة ذاتها.
ولفت الحقوقي إلى أن هذا التفكيك يمتد إلى الاتفاقيات الدولية، حيث تتبادل واشنطن وموسكو الاتهامات بالإخلال بمعاهدة “ستارت الجديدة” الخاصة بالحد من الأسلحة الاستراتيجية، فتهادن واشنطن موسكو بعدم السماح بعمليات التفتيش، بينما تتهم الأخيرة واشنطن بـ “تفكيك” نظم الرقابة الدولية على التسلح، في حلقة مفرغة من الاتهامات تدفع بالعالم إلى الهاوية.
السياق الإقليمي والدولي للصراع
هاجم نبيل أبو الياسين بشدة الاستقطاب الدولي الحاد الذي يشهده العالم، حيث أشار إلى أن التوتر الشديد بين روسيا والدول الأوروبية من جهة، وبين موسكو وواشنطن من جهة أخرى، يمتد ليشمل بؤر صراع متعددة حول العالم. ولفت إلى أن قيام أمريكا والدول الأوروبية بمنح أوكرانيا الأسلحة اللازمة لمواجهة موسكو قد أغضب روسيا بشكل كبير، مما دفعها إلى تعزيز تحالفاتها الإقليمية والدولية وزيادة قدراتها العسكرية. وأضاف أن هذا الصراع لم يعد محصوراً في الأراضي الأوكرانية، بل امتدت تداعياته إلى الشرق الأوسط حيث تتصاعد التوترات في غزة، مشيراً إلى أن سياسات ترامب في المنطقة تقوم على “حسابات خاطئة” وتجاهل للخصوصيات الإقليمية وفقاً لتصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ووضح أبو الياسين أن العالم أصبح ساحة لصراع نفوذ متعدد الأبعاد، تدفع فيه الشعوب الثمن من استقرارها وأمنها ومستقبل أجيالها.
تصريحات استفزازية وتهديدات متبادلة
كشف الحقوقي نبيل أبو الياسين عن خطورة التصريحات الاستفزازية المتبادلة بين المسؤولين الروس والأمريكيين، مشيراً بشكل خاص إلى تهديدات نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف الذي ذكر ترامب بـ”اليد الميتة” النووية الروسية ردا على مطالبة الرئيس الأمريكي له “بانتقاء كلماته وعدم دخوله منطقة خطرة جدا”.
وأضاف أن ترامب رد على هذه التهديدات بالإعلان عن نشر غواصتين نوويتين أمريكيتين في ما وصفه بالرد على “تصريحات استفزازية للغاية”. ولفت أبو الياسين إلى أن هذا التبادل في التهديدات النووية المباشرة يذكرنا بأحلك أيام الحرب الباردة، لكن في سياق أكثر خطورة حق إلى عدم وجود آليات اتصال واضحة وتراجع الثقة بين الطرفين. وهاجم أبو الياسين بشدة هذا الاستخفاف بمصير البشرية، مؤكداً أن هذه التصريحات لا تعبر عن قوة حقيقية بقدر ما تكشف عن عقلية الغطرسة والعظمة الواهنة التي تتحكم بقرارات تهدد مستقبل الكوكب بأسره.
وختم نبيل أبو الياسين بيانه الصحفي التاريخي بتوجيه رسالة نارية إلى القادة في واشنطن وموسكو: كفى استعراضاً للقوة وتهديداً بالأسلحة النووية، وكفى غطرسة وعظمة واهنة على حساب دماء الشعوب ومعاناتها. إن سباق التسلح الذي تشنونه لا يحقق الأمن لأحد، وإنما يزيد العالم عدم استقرار ويقرب البشرية من حافة الهاوية. إن صاروخ “بوريفيستنيك” الذي تتفاخرون به، والغواصات النووية التي تهددون بها، لن تحقق لكم الأمن الحقيقي، ولن تمنحكم الشرعية الأخلاقية. إن القوة الحقيقية ليست في قدرتك على تدمير العالم، بل في قدرتك على بنائه وتعزيز السلام والاستقرار فيه. إن الشعوب التي تدفع ثمن غطرستكم بدأت تستيقظ، وسيحاسبكم التاريخ على كل قطرة دم سالت بسبب سياساتكم المتهورة. لقد آن الأوان لترفعوا شعار الإنسانية بدلاً من شعار القوة، والتعاون بدلاً من المواجهة، والبناء بدلاً من الدمار، فمستقبل البشرية معلق في الميزان، وأحلام الأجيال القادمة لا تحتمل مزيداً من الألعاب النووية الخطيرة.