عبدالرحيم عبدالباري
في محافظات الصعيد، لا تُقاس التنمية بالشعارات بقدر ما تُقاس بقدرتها على لمس حياة الناس اليومية، وفي مقدمتها الحق في العلاج الآمن والعادل. من هذا المنطلق، تكشف أرقام الخدمات الصحية المقدمة بمحافظة سوهاج خلال أحد عشر شهرًا عن مشهد يتجاوز الإحصاء إلى قراءة أعمق في فلسفة إدارة صحية تراهن على الوصول، والجودة، والاستدامة. فحين تعلن وزارة الصحة والسكان عن تقديم أكثر من 8.4 مليون خدمة طبية، فإنها تضع أمام الرأي العام شهادة عملية على حجم الجهد المبذول، وتفتح باب التحليل لما تحقق وما يؤسس للمستقبل في إطار رؤية مصر 2030.
إجمالي 8 ملايين و429 ألفًا و423 خدمة طبية قُدمت لأهالي سوهاج خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 لا يمثل رقمًا جامدًا، بل يعكس حركة يومية دؤوبة داخل المستشفيات والوحدات الصحية. هذا الأداء يأتي تنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، ويؤكد أن الدولة تنظر إلى الرعاية الصحية باعتبارها استثمارًا في الإنسان. الأهم في هذا السياق هو اتساع نطاق الخدمة، بحيث لم تعد مقتصرة على المدن الكبرى، بل امتدت لتشمل القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، بما يعكس عدالة التوزيع والحرص على سد الفجوات التاريخية في الخدمات الصحية داخل المحافظة.
المستشفيات كانت القلب النابض لهذا الإنجاز، حيث قدمت وحدها أكثر من 4 ملايين و516 ألف خدمة طبية شملت الطوارئ، والعيادات الخارجية، والرعايات المركزة، والغسيل الكلوي، والعلاج الطبيعي، والعمليات الجراحية. هذا التنوع في الخدمات يعكس تطورًا نوعيًا في قدرات المستشفيات، وليس مجرد زيادة عددية. وإلى جانب ذلك، لعبت القوافل الطبية دورًا محوريًا في الوصول إلى الفئات المهمشة، عبر 72 قافلة قدمت ما يقرب من 63 ألف خدمة، مؤكدة أن مفهوم الرعاية الصحية لم يعد مرتبطًا بالمكان، بل بالوصول إلى المواطن أينما كان.
في محور التطوير والبنية التحتية، تتجلى رؤية واضحة لبناء منظومة صحية متكاملة. توفير 15 ماكينة غسيل كلوي وتوزيعها على مستشفيات صدر شندويل وأخميم المركزي وحميات سوهاج، وإنشاء وحدات متخصصة مثل الحروق والجراحات التكميلية، والتصلب المتعدد، وعلاج الجلطات الدماغية، كلها خطوات تشير إلى انتقال نوعي في مستوى الخدمة. كما أن افتتاح قسم القسطرة القلبية بمستشفى طهطا العام ومضاعفة أسرة الرعايات المركزة إلى 229 سريرًا يعكسان استجابة مباشرة لاحتياجات مرضى الحالات الحرجة، وتقليل معدلات التحويل خارج المحافظة.

لم يقتصر التطوير على التخصصات الكبرى، بل شمل أيضًا تحديث الخدمات التشخيصية والعلاجية الدقيقة. افتتاح وحدة المناظير، وإضافة تجهيزات طبية حديثة، وإنشاء أول قسم متخصص لعلاج الأطفال بمستشفى حميات سوهاج، خطوات تعكس اهتمامًا بالفئات الأكثر احتياجًا للرعاية الدقيقة. كما يمثل تطوير وتشغيل المركز الطبي العلاجي بشطورة، والافتتاح الجزئي لمستشفى طما المركزي بتشغيل 16 عيادة متخصصة، مؤشرًا على سياسة التوسع المرحلي المدروس، التي توازن بين سرعة التشغيل وضمان الجاهزية الفنية والإدارية.
إعادة تشغيل مستشفى دار السلام المركزي جزئيًا بعد توقف دام 11 عامًا تحمل دلالة رمزية وعملية في آن واحد. تشغيل أقسام الاستقبال والطوارئ، و11 عيادة متخصصة، والأشعة، والمعمل، والصيدلية، يعيد الأمل لمجتمع ظل طويلًا يفتقد خدمة قريبة. إلى جانب ذلك، جاء تدشين وحدات الشبكية بمستشفيي رمد سوهاج وطهطا، والانتهاء من تطوير مستشفى ساقلتة المركزي، ليؤكد أن خطة التطوير لا تترك فجوات جغرافية أو تخصصية، بل تسعى إلى تغطية شاملة ومتوازنة.
على مستوى الرعاية الصحية الأولية، قُدمت نحو 3 ملايين و913 ألف خدمة عبر شبكة واسعة تضم 329 مركز طب أسرة و12 مركزًا حضريًا و4 مراكز لرعاية الطفل. اعتماد 9 وحدات صحية من هيئة الاعتماد والرقابة الصحية، وتفعيل خدمة الأخصائي في 11 وحدة، يعكسان تركيزًا على الجودة وليس الكم فقط. وفي هذا الإطار، أشار الدكتور عمرو دويدار، وكيل الوزارة بسوهاج، إلى تشغيل 15 منشأة صحية ضمن مبادرة «حياة كريمة»، وفحص آلاف الشكاوى والاستجابة لها، بالتوازي مع الاستثمار في التعليم الطبي المستمر، وتكثيف الحملات الرقابية لحماية صحة المواطنين.
ما تحقق في سوهاج خلال 11 شهرًا ليس مجرد حصاد عام، بل هو فصل في مسار طويل لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمنظومة الصحية. الأرقام تعكس جهدًا، لكن القيمة الحقيقية تكمن في أثرها على حياة المرضى، وفي شعورهم بأن الخدمة الصحية أصبحت أقرب وأكثر كفاءة. ومع استمرار التطوير، والتدريب، والرقابة، تبدو سوهاج نموذجًا قابلًا للتكرار في محافظات أخرى، حيث تتحول الرعاية الصحية من تحدٍ مزمن إلى قصة نجاح تُكتب بالأفعال لا بالوعود.
