عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد مؤشرات الأداء الصحي مجرد أرقام تُعلن في بيانات رسمية، بل أصبحت علامات طريق ترسم ملامح المستقبل. وفي محافظة المنوفية، تكشف حصيلة تقديم أكثر من 11.6 مليون خدمة طبية خلال عام واحد عن مشهد صحي يتغير بوتيرة متسارعة، ويعكس انتقالًا حقيقيًا من منطق الاستجابة إلى منطق الاستباق. هذا التحول، الذي يأتي في قلب رؤية مصر 2030، يؤكد أن الاستثمار في صحة الإنسان لم يعد خيارًا، بل هو رهان الدولة على التنمية الشاملة وبناء مجتمع أكثر قدرة على العمل والإنتاج والحياة.

إعلان وزارة الصحة والسكان عن تقديم 11 مليونًا و602 ألف و884 خدمة طبية بمحافظة المنوفية خلال الفترة من يناير إلى ديسمبر 2025، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الوطني الأوسع لإعادة بناء المنظومة الصحية. فهذه الخدمات، التي قُدمت من خلال المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، تعكس حجم الجهد المبذول لتوسيع مظلة الرعاية والوصول إلى المواطن أينما كان. كما أن تنفيذ هذه الخطط يأتي استجابة مباشرة لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، في إطار رؤية استراتيجية تستهدف العدالة الصحية والاستدامة، وتحويل الخدمات الطبية من عبء على المواطن إلى حق مكفول ومتاح بجودة متنامية.
وعند تفكيك هذه الأرقام، يتضح أن المستشفيات وحدها قدمت أكثر من 4.5 مليون خدمة طبية، تنوعت بين الاستقبال والطوارئ والعيادات الخارجية والغسيل الكلوي والعمليات الجراحية، إلى جانب خدمات المعامل والأشعة والعلاج الطبيعي. هذا التنوع يعكس قدرة المنظومة على التعامل مع مختلف مستويات الرعاية، من الحالات الطارئة إلى العلاج طويل الأمد. كما يمثل تفعيل 71 عيادة مسائية في 20 مستشفى نقلة نوعية في استغلال البنية التحتية الصحية، حيث ساهمت في تقديم ما يقرب من 200 ألف خدمة إضافية، وخففت الضغط عن الفترات الصباحية، ولبّت احتياجات شريحة واسعة من المواطنين.
التطور لم يتوقف عند حدود الخدمة التقليدية، بل امتد إلى إدخال أنماط حديثة للرعاية، مثل خدمات التشخيص عن بُعد التي بلغت 1842 خدمة، في مؤشر واضح على توجه المنظومة نحو الطب الرقمي. كما لعبت القوافل الطبية دورًا محوريًا في الوصول إلى المناطق الأكثر احتياجًا، حيث قدمت 75 قافلة أكثر من 78 ألف خدمة، لتؤكد أن العدالة الصحية لا تتحقق داخل الجدران فقط، بل في القرى والنجوع البعيدة. هذه الجهود تعكس فلسفة جديدة ترى أن المستقبل الصحي يبدأ من الوقاية والوصول المبكر، وليس فقط من غرف العمليات.

أما على مستوى البنية التحتية، فقد شهدت مستشفيات المنوفية طفرة ملحوظة في التجهيزات والخدمات الدقيقة، مع العمل على إنشاء وتجهيز أربعة مستشفيات مطورة، وإضافة 54 سرير رعاية مركزة في المواقع الأكثر احتياجًا. كما تم رفع كفاءة 10 مستشفيات، وتزويدها بأجهزة تشخيص متقدمة، شملت 17 جهاز أشعة مقطعية و4 أجهزة ماموجرام. ولم يكن التطوير ماديًا فقط، بل نوعيًا أيضًا، من خلال استحداث تخصصات دقيقة مثل القسطرة المخية وجراحات العظام، وإنشاء وحدات متخصصة لأبحاث وأمراض الدم، بما يضع المنوفية على خريطة الطب المتقدم إقليميًا.
وفي مجال الرعاية الأولية، قدمت الوحدات الصحية أكثر من 6.7 مليون خدمة طبية، في دليل واضح على أن خط الدفاع الأول في المنظومة الصحية بات أكثر قوة وانتشارًا. وشمل ذلك تفعيل عشرات العيادات المتخصصة في العلاج الطبيعي والدعم النفسي والسمنة والمرأة الآمنة، بما يعكس فهمًا أعمق لاحتياجات المجتمع الصحية المتغيرة. كما يمثل حصول 10 وحدات صحية على اعتماد هيئة الاعتماد والرقابة الصحية، وميكنة جميع مراكز التطعيم، خطوة استشرافية نحو منظومة رقمية متكاملة، قادرة على إدارة البيانات وتحسين كفاءة القرار الطبي في المستقبل.
من جانبه، يبرز تركيز مديرية الصحة بالمنوفية على التعليم الطبي المستمر والرقابة الصحية كعنصرين حاسمين في معادلة التطوير. فالحصول على الاعتماد للمستشفيات، وتدريب الكوادر على أحدث التقنيات، بالتوازي مع تكثيف الحملات الرقابية على المنشآت الطبية والغذائية، يعكس رؤية متكاملة لا تفصل بين جودة الخدمة وسلامة المواطن. إن المرور على آلاف المنشآت، وإغلاق المخالف منها، ليس إجراءً عقابيًا بقدر ما هو استثمار وقائي في صحة المجتمع، يضع الإنسان في قلب السياسات الصحية.

ما تحقق في المنوفية خلال عام واحد ليس نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة أكثر طموحًا في بناء مستقبل صحي يستبق المرض قبل وقوعه، ويقرب الخدمة من المواطن، ويعتمد على الجودة والرقمنة والاستدامة. فحين تتحول الأرقام إلى مؤشرات تغيير حقيقي، تصبح الصحة لغة التنمية، ويغدو الإنسان هو الهدف والوسيلة معًا. وفي هذا المسار، تبدو المنوفية نموذجًا قابلًا للتكرار، ورسالة واضحة بأن رؤية مصر 2030 في الصحة لم تعد وعدًا مؤجلًا، بل واقعًا يتشكل يومًا بعد يوم.