حسين السمنودي
منذ اللحظة الأولى التي يخرج فيها الطفل إلى الدنيا، تبدأ ملحمة الإعجاز الصامت، ذلك الإعجاز الذي لا تصاحبه ضوضاء، ولا يحتاج إلى عدسات مكبّرة ولا معامل متطورة، لأنه يحدث أمام أعيننا كل يوم، ومع ذلك يمرّ علينا كأنه أمر عادي. يولد الطفل ضعيفًا، عاريًا من كل أسباب القوة، لا يعرف اسمه، ولا يميز الأصوات، ولا يدرك معنى الجوع ولا الشبع، ومع هذا الضعف المطلق يتحرك بدقة مذهلة، كأن خريطة الحياة مرسومة داخله منذ الأزل.
وهنا يتوقف العقل طويلًا أمام مشهد بالغ العظمة: طفل لم يتعلّم، ولم يُدرَّب، ولم تُشرح له قواعد البقاء، ومع ذلك يلتقط ثدي أمه في اللحظة المناسبة، ويعرف طريقه إليه دون تردد. ولو اجتمع عباقرة الطب، وأساتذة علوم الأعصاب، وخبراء السلوك الإنساني منذ لحظة الولادة، ليعلّموا طفلًا وليدًا كيف يفعل ذلك، لما استطاعوا. قد يفسّرون الظاهرة بعد حدوثها، وقد يسجلونها في الكتب، لكنهم لن يصنعوا هذا الفعل من العدم. لأن ما يحدث هنا ليس درسًا تعليميًا، بل نفحة ربانية، وعناية إلهية سبقت كل علم، وتجاوزت كل تفسير.
إنها الفطرة التي أودعها الله في الإنسان، تلك الشفرة الخفية التي تعمل تلقائيًا حين يعجز العقل البشري عن الفهم. فكل حركة في جسد هذا الطفل الصغير، وكل استجابة غريزية، وكل صرخة، ليست عبثًا ولا مصادفة، بل جزء من منظومة إلهية متكاملة تقول للإنسان منذ أول أنفاسه: أنت لست وحدك، هناك من يرعاك، ويحفظك، ويقودك خطوة بخطوة.
ولا يقف الإعجاز عند الطفل وحده، بل يمتد إلى الأم، التي تتحول فجأة إلى نبع لا ينضب من الرحمة. يفيض لبنها في التوقيت المناسب، ويشتعل قلبها بحنان لم تتعلمه في كتاب، ولم تتلقَّ عليه تدريبًا. وكأن الله سبحانه وتعالى قد وزّع الأدوار بحكمة بالغة: ضعف في الطفل، وقوة في الأم، احتياج هنا، وعطاء هناك، ليكتمل المشهد، وتكتمل الرسالة، وتظل الرحمة هي القانون الأعظم في بداية كل حياة.
هذه المعاني العميقة، التي تهزّ القلوب قبل أن تخاطب العقول، جاءت ضمن روائع ما طرحه الدكتور سعيد حامد، وكيل مديرية أوقاف القاهرة، في محاضرة ملهمة أعاد فيها إحياء الدهشة في النفوس، وذكّرنا بما نراه كل يوم ونغفل عن عظمته. حديثه لم يكن تنظيرًا، بل كشفًا لستار الغفلة عن حقيقة كبرى: أن الأولاد ليسوا أمرًا عاديًا في حياتنا، بل عطية ربانية خالصة.
فالأولاد ليسوا زينة اجتماعية، ولا وسيلة تفاخر، ولا امتداد اسم فقط، بل هم أمانة ثقيلة، ومسؤولية عظيمة، ومعجزة تمشي على الأرض. كل طفل يحمل في وجوده رسالة، وكل ضحكة منه دليل، وكل دمعة تذكير، بأن هذا العطاء لم يكن من صنع البشر، بل منحة من الله تستوجب الشكر قبل أي شيء.
وحين نتأمل هذه الحقيقة في ضوء الإيمان، ندرك أن الله سبحانه وتعالى لم يترك الإنسان سدى، ولم يمنحه الأولاد عبثًا، بل جعلهم ابتلاءً ونعمة في آن واحد، فقال سبحانه:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾،
فهم زينة حين يُربَّون على الحق، ويُنشَّأون على القيم، ويُوجَّهُون إلى الخير، وهم اختبار حين يُهملون، أو يُتركون فريسة للضياع.
ويذكّرنا الله عز وجل بأن هذه الهِبة تحتاج شكرًا عمليًا لا مجرد كلمات، فقال:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
فالطفل الذي خرج لا يعلم شيئًا، هو ذاته الذي أُلهم كيف يعيش، وكيف يطلب رزقه، وكيف يبدأ رحلته في الدنيا، وكل ذلك فضل من الله يستوجب شكرًا دائمًا.
ويأتي التحذير الإلهي واضحًا، حتى لا ينقلب الحب إلى غفلة، ولا تتحول النعمة إلى سبب خسارة، فيقول سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾،
أي احذروا أن يشغلوكم عن الحق، أو يبعدوكم عن الطريق المستقيم، أو يجعلوا الدنيا أكبر همّكم.
ومع ذلك، يفتح الله باب الأمل والرجاء لكل من أحسن التربية، ووضع هذه الأمانة في موضعها الصحيح، فيقول سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
فهنا تتحول الهِبة إلى قرة عين، وتتحول التربية إلى عبادة، ويصبح البيت الصغير نواة لصلاح مجتمع كامل.
أولادك هِبة من الله لك،
فإن شكرتَ، زادت الهبة نورًا،
وإن رَعيتَ، أثمرت صلاحًا،
وإن غفلتَ، صارت سؤالًا عسيرًا يوم تُعرض الأمانات.
فطوبى لمن فهم الرسالة منذ اللحظة الأولى،
وطوبى لمن رأى في بكاء طفله تسبيحًا،
وفي ضحكته نعمة،
وفي تربيته طريقًا إلى رضا الله.