عبدالرحيم عبدالباري
مع بزوغ شمس خافتة على طرقٍ طويلة تحفّها الرمال من كل جانب، تتحرك سيارة إسعاف في أحد مراكز محافظة مطروح، قاطعة مسافات لا تقاس بالكيلومترات فقط، بل بالوقت والجهد والأمل. في هذه الجغرافيا القاسية، لا تكون الخدمة الطبية رفاهية، بل معركة يومية ضد البُعد والعزلة ونقص الإمكانيات. من هذا المشهد، تبرز دلالة إعلان وزارة الصحة والسكان عن تقديم أكثر من 3.4 مليون خدمة طبية خلال أحد عشر شهرًا، لتطرح سؤالًا مشروعًا: هل تنجح الدولة في تحويل التحدي الجغرافي إلى فرصة حقيقية للعدالة الصحية؟

القراءة المتأنية لأرقام الخدمات الطبية المقدمة في مطروح تكشف أن المسألة تتجاوز مجرد زيادة عدد الزيارات أو التدخلات العلاجية. فنحن أمام منظومة حاولت أن تتعامل مع الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. تقديم ما يقرب من مليوني خدمة داخل المستشفيات يعكس توسعًا في القدرة التشغيلية واستيعابًا متزايدًا للطلب، خاصة في أقسام الطوارئ والاستقبال والرعايات المركزة. كما أن تفعيل العيادات المسائية في تسعة مستشفيات لم يكن إجراءً تجميليًا، بل استجابة لضغط فعلي، وسعيًا لتقليل زمن الانتظار وتحقيق استفادة قصوى من البنية التحتية القائمة.
القوافل الطبية في مطروح لا يمكن النظر إليها كحل مؤقت، بل كجزء أصيل من منظومة تقديم الخدمة. ستّون قافلة طبية متخصصة، قدمت أكثر من 31 ألف خدمة، تعني أن الدولة قررت الذهاب إلى المواطن بدلًا من انتظاره. في القرى والمناطق النائية، لا يملك المواطن دائمًا رفاهية الانتقال، وهنا يصبح وصول الطبيب هو الفارق بين الكشف المبكر وتفاقم المرض. هذه القوافل أسهمت أيضًا في بناء الثقة بين المواطن والمنظومة الصحية، وربط الحالات الحرجة بالمستشفيات، بما يعزز مفهوم الرعاية المتكاملة بدلًا من العلاج المجتزأ.
التطوير الذي شهدته مستشفى مطروح العام يطرح نموذجًا لكيفية تحويل المستشفى المحوري إلى مركز خدمة متكامل. دعم وحدة الغسيل الكلوي بماكينات حديثة، وافتتاح وحدة السمعيات ضمن المبادرات الرئاسية، وتحديث جراحات العيون، واستحداث عيادات جديدة، كلها خطوات تعكس انتقالًا من إدارة الأزمة إلى التخطيط المسبق. اعتماد قسم جراحة العظام لتدريب الزمالة المصرية يضيف بعدًا استراتيجيًا، يتمثل في الاستثمار في العنصر البشري، وتحويل المستشفى من مجرد مقدم خدمة إلى مؤسسة تعليمية تساهم في استدامة التطوير ورفع مستوى الأداء المهني.
ما شهدته مستشفيات الضبعة والحمام ورأس الحكمة يكشف عن توزيع واعٍ للتطوير داخل المحافظة، وليس تركيزه في نطاق جغرافي ضيق. استحداث جراحات دقيقة مثل الأوعية الدموية والمخ والأعصاب، ودعم أقسام العناية المركزة والحضانات، وتوفير أجهزة تنفس صناعي ومونيتورات حديثة، يمثل نقلة نوعية في قدرة هذه المستشفيات على التعامل مع الحالات الحرجة محليًا دون إحالة مرهقة. كما أن تطوير سكن الأطباء يعكس فهمًا عميقًا بأن استقرار الكوادر الطبية جزء لا يتجزأ من جودة واستمرارية الخدمة.
امتداد التطوير إلى المستشفيات التخصصية وخدمات التشخيص عن بعد يؤكد أن التكنولوجيا أصبحت أداة رئيسية لتجاوز العوائق الجغرافية. توفير أجهزة متقدمة مثل الماموجرام، وتحديث مستشفيات الحميات والصدر، ودعم المعامل بأحدث الأجهزة، يعزز القدرة التشخيصية ويقلل زمن اتخاذ القرار العلاجي. كذلك فإن إنشاء غرف عمليات للتأمين الطبي بالساحل الشمالي ومحطات مراقبة الطوارئ يعكس استعداد المنظومة للتعامل مع الضغط الموسمي، ويؤكد أن التخطيط الصحي في مطروح بات يرتبط بالواقع السياحي والديموغرافي المتغير.
الرعاية الصحية لا تكتمل دون رعاية أولية قوية ورقابة صارمة، وهو ما يتجلى في حجم الخدمات المقدمة بالمراكز والوحدات الصحية، واعتماد وحدات وفق معايير دولية، وتجهيز وحدات جديدة. كما أن الدور الحيوي للحجر الصحي، وتقديم مئات الآلاف من الخدمات عبر المنافذ، واستحداث معمل السموم لأول مرة، يعكس وعيًا بالأمن الصحي القومي. ويوازي ذلك اهتمام بالتعليم الطبي المستمر وتكثيف الحملات الرقابية، سواء على المنشآت الطبية أو الغذائية، بما يؤكد أن جودة الخدمة وسلامة المواطن خط أحمر لا يقبل التهاون.
تجربة مطروح الصحية تطرح درسًا مهمًا: أن التحديات الجغرافية ليست عذرًا للتراجع، بل دافعًا للابتكار والعمل المختلف. ما تحقق خلال عام واحد يؤكد أن الإرادة السياسية، حين تقترن بالتخطيط والمتابعة والاستثمار في الإنسان، قادرة على تغيير الواقع مهما كان صعبًا. الرهان الآن ليس على الحفاظ على الأرقام فقط، بل على تحويل هذا الجهد إلى مسار مستدام، يضمن أن تصل الخدمة الطبية إلى آخر نقطة على الخريطة، وأن يشعر كل مواطن بأن حقه في الصحة مكفول، لا بالشعارات، بل بالفعل اليومي المتواصل.