حسين السمنودي
حين يهلُّ هلال رمضان لا يجيء شهرًا عابرًا في رزنامة الأيام، بل يأتي كرسالة سماوية تُوقظ القلوب قبل الأجساد، وتفتح أبواب السماء كما تفتح أبواب الأمل في صدور المتعبين. وفي حديثه العميق عن بدايات رمضان، أضاء الدكتور محمد حسن السروجي مساحة بالغة الأهمية في حياة كثيرين، حين ربط بين قدوم الشهر الكريم وفرصة الإقلاع عن السجائر وسائر العادات التي أنهكت الإنسان جسدًا وروحًا.
تحدث الدكتور السروجي عن رمضان باعتباره مدرسة إرادة، لا مجرد موسم امتناع عن الطعام والشراب. مدرسة تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتُذكِّره بأنه قادر على الانتصار على نفسه قبل أن ينتصر على أي شيء آخر. فإذا كان الصائم يمتنع عن الحلال ساعاتٍ طويلة امتثالًا لأمر الله، أفلا يستطيع أن يمتنع عن الضار وهو يعلم يقينًا أذاه على صحته وأهله وماله؟
إن التدخين – كما أشار – ليس مجرد عادة عابرة، بل قيد نفسي وسلوكي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى يظن صاحبه أنه لا يستطيع الفكاك منه. لكن رمضان يكسر هذا الوهم. فالمُدخن الذي يمسك عن سيجارته من الفجر إلى المغرب قد أثبت عمليًا أنه يملك القدرة على الصبر والتحكم، وأن المسألة ليست عجزًا بقدر ما هي قرار.
رمضان يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه. لحظة الأذان ليست فقط إعلانًا بانتهاء الصيام، بل هي اختبار جديد: هل سنعود إلى ما كنا عليه؟ أم سنجعل من هذا الشهر نقطة تحول حقيقية؟ هنا كانت رسالة الدكتور السروجي واضحة: لا تجعل من الإفطار بوابة للعودة إلى العادة، بل اجعله بوابة للانتصار عليها.
تحدث عن البدايات، عن أول يوم في رمضان، عن تلك الرهبة الجميلة التي تسكن القلوب مع أول صلاة تراويح، وعن ذلك الصفاء الذي يملأ الروح مع أول دعاء في السحر. قال إن من الظلم أن نُضيّع هذه اللحظات في لهفة سيجارة أو عادة تستنزف أعمارنا ببطء. فكما نغسل أجسادنا بالماء، نحن بحاجة أن نغسل حياتنا من كل ما يُثقلها.
ولم يكن حديثه وعظًا جافًا، بل كان خطابًا إنسانيًا عميقًا، يراعي طبيعة النفس البشرية. فهو يعلم أن الإقلاع عن التدخين ليس سهلًا، لكنه شدد على أن رمضان يمنحنا بيئة مثالية للبدء: ساعات صيام طويلة تقلل الجرعة اليومية، أجواء إيمانية تشغل الذهن، صلاة وقرآن وصحبة صالحة، كلها عناصر تساعد على إعادة تشكيل السلوك.
بل إن رمضان يُعيد تعريف اللذة نفسها. فبدل أن تكون اللذة في نفثة دخان عابرة، تصبح في سجدة خاشعة، أو دمعة توبة، أو إحساس خفيف بالجسد بعد يوم طاعة. هنا ينتقل الإنسان من إدمانٍ يُضعفه إلى عبادةٍ تقويه، ومن عادة تُهدر صحته إلى طاعة تُحيي قلبه.
وأشار الدكتور السروجي إلى بُعدٍ آخر مهم، وهو البُعد الأسري. فكم من طفل ينظر إلى والده المدخن ويتألم في صمت؟ وكم من زوجة تخشى على شريك عمرها من مرضٍ مفاجئ بسبب عادة كان يمكن تركها؟ رمضان فرصة لرسالة عملية داخل البيت: أنا أختار صحتي، وأختار أن أكون قدوة حسنة لأبنائي.
إن الإقلاع عن السجائر في رمضان ليس مجرد قرار صحي، بل هو قرار إيماني وأخلاقي أيضًا. هو إعلان أن الإنسان قادر على مراجعة نفسه، وأنه لا يعيش أسير عادة، بل سيدًا لقراره. هو تدريب عملي على معنى المجاهدة، وعلى أن الإرادة حين تتصل بالإيمان تصبح أقوى من أي إدمان.
ولعل أجمل ما في حديث الدكتور محمد حسن السروجي أنه لم يحصر الأمر في السجائر فقط، بل وسّع الدائرة لتشمل كل ما ينبغي الإقلاع عنه: كلمة جارحة، نظرة خاطئة، خصومة قديمة، سلوك سلبي، أو عادة تُفسد الروح. فكما نقلع عن التدخين، يمكن أن نقلع عن الغضب الزائد، وعن الكسل، وعن التسويف، وعن كل ما يعوقنا عن أن نكون أفضل.
وفي الختام… يبقى رمضان أعظم من مجرد شهر، وأعمق من مجرد طقوس، وأكبر من مجرد امتناع مؤقت عن شهوة عابرة. إنه لحظة مصارحة بين الإنسان ونفسه، بين الجسد وروحه، بين ما اعتاده وما يجب أن يكون عليه. وحين نتأمل كلمات الدكتور محمد حسن السروجي عن بدايات رمضان، ندرك أن القضية لم تكن سيجارة تُطفأ، بل إنسانًا يُولد من جديد.
إن الإقلاع عن التدخين في رمضان ليس انتصارًا صحيًا فحسب، بل هو إعلان استقلال داخلي، وثورة هادئة على كل ما استعبد الإرادة. هو رسالة تقول: لست أضعف من عادة، ولست رهين شهوة، ولست عاجزًا عن التغيير. وما دام الإنسان قادرًا أن يمتنع ساعات طويلة طاعةً لله، فهو قادر أن يمتنع عمرًا كاملًا حفاظًا على صحته وكرامته وأسرته.
ورمضان لا يمنحنا فقط فرصة ترك السيجارة، بل يمنحنا شجاعة مواجهة أنفسنا، ومراجعة عاداتنا، وتصحيح مساراتنا. إنه تدريب عملي على ضبط الرغبات، وعلى إعادة ترتيب الأولويات، وعلى فهم قيمة الجسد الذي استودعنا الله إياه أمانة. فالجسد ليس ملكًا نُهدره، بل أمانة نُحسن رعايتها.
وهنا تتجلى قيمة الرسالة التي يحملها الدكتور محمد حسن السروجي؛ رسالة تمزج بين الطب والوعي، بين العلم والضمير، بين النصيحة المهنية والبعد الإنساني. فهو لم يتناول قضية التدخين من زاوية الأرقام وحدها، بل تناولها من زاوية إنسانية عميقة تُخاطب القلب كما تُخاطب العقل، وتربط بين صحة الجسد ونقاء الروح.
لقد كان الدكتور محمد حسن السروجي صوتًا طبيًا واعيًا في ساحة التوعية، يؤمن بأن الوقاية ليست شعارًا، بل ثقافة يجب أن تُزرع في المجتمع. لم يكتفِ بعلاج المرض، بل سعى إلى محاصرة أسبابه، ونشر الوعي بأخطاره، وتبسيط المعلومة الطبية حتى تصل إلى كل بيت. فدوره الريادي في التوعية الصحية لم يكن مجرد محاضرات عابرة، بل مشروعًا إنسانيًا يهدف إلى إنقاذ الإنسان من نفسه قبل أن يُنقذه من المرض.
وما يميز خطابه أنه يضع الإنسان في قلب المعادلة؛ لا يُخيفه فقط بعواقب المرض، بل يمنحه الأمل في التغيير، ويُشعره أن القرار بيده، وأن كل خطوة صحيحة – مهما بدت صغيرة – تصنع فارقًا كبيرًا على المدى البعيد. إنه نموذج للطبيب الذي يتجاوز حدود العيادة إلى فضاء المجتمع، فيؤدي رسالة توعوية توازي في أهميتها دوره العلاجي.
إننا بحاجة إلى هذا النوع من الخطاب الواعي، الذي يُعيد ربط الصحة بالقيم، ويجعل من رمضان محطة إصلاح شامل، لا صيامًا مؤقتًا يعقبه رجوع إلى ما كان. بحاجة إلى أن نفهم أن صحة الإنسان جزء من مسؤوليته أمام الله وأمام أسرته وأمام وطنه.
فلنغتنم هذا الشهر العظيم، ولنجعل من كلمات التوعية بذرة قرار، ومن القرار بداية طريق، ومن الطريق أسلوب حياة جديد. ولنجعل من رمضان هذا العام نقطة فاصلة بين ماضٍ أرهقنا بعاداته، ومستقبل نختاره بإرادتنا الواعية.
فربما كانت سيجارة تُطفأ اليوم… حياةً تُنقذ غدًا. وربما كان قرار صغير في ليلة رمضانية هادئة… بداية عمرٍ جديد أكثر صحةً، وأكثر صفاءً، وأكثر قربًا من الله.