عبدالرحيم عبدالباري
في إطار توجه الدولة المصرية نحو بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على تحقيق التنمية المستدامة، شهدت جامعة الأزهر انطلاق فعاليات اليوم السكاني الجامعي الأول، في حدث يعكس بوضوح حجم التنسيق والتكامل بين مؤسسات الدولة لمواجهة التحديات السكانية بمنهج علمي وإنساني متطور. وجاءت الفعالية برعاية وحضور نخبة من القيادات الصحية والأكاديمية، لتؤكد أن القضية السكانية لم تعد مجرد ملف خدمي، بل أصبحت أحد أهم المحاور الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل التنمية وجودة الحياة، وهو ما يستدعي بناء وعي مجتمعي مستنير يبدأ من الجامعات وينعكس على المجتمع بأكمله.

أطلقت الدكتورة عبلة الألفي فعاليات اليوم السكاني الجامعي الأول داخل جامعة الأزهر، في خطوة مهمة تستهدف ترسيخ المفاهيم الصحيحة حول القضية السكانية وربطها بمسارات التنمية الشاملة، مع تصحيح المفاهيم المغلوطة المرتبطة بالصحة الإنجابية وصحة الأم والطفل. وأكدت أن الجامعات تمثل أحد أهم الأذرع التنفيذية القادرة على نشر الوعي بين الشباب، بوصفهم القوة المحركة للمجتمع، مشيرة إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة فاعلة بين المؤسسات التعليمية والصحية لتحقيق مستهدفات الدولة في الملف السكاني.
وجاءت هذه الخطوة خلال استقبال الدكتور محمود صديق لنائب وزير الصحة، حيث شهد اللقاء توقيع مذكرة تفاهم تهدف إلى تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية وخطتها العاجلة للفترة من 2025 إلى 2027، إلى جانب تفعيل المبادرة الرئاسية «الألف يوم الذهبية». وتمثل هذه المذكرة إطارًا عمليًا لتفعيل الشراكة بين وزارة الصحة وجامعة الأزهر والمجلس القومي للسكان، بما يعزز تكامل الجهود المؤسسية ويوسع نطاق التدخلات التوعوية والعلمية داخل المجتمع الجامعي والمناطق ذات المؤشرات السكانية المرتفعة.
وشهدت الفعالية حضور الدكتور حسين أبو الغيط، والدكتور محمود رشاد، والدكتورة نجلاء عرفة، حيث أكد الحضور أهمية التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والمنظمات الدولية في دعم قضايا الصحة والسكان. وأشار المشاركون إلى أن نجاح أي استراتيجية سكانية يعتمد على نشر المعرفة الدقيقة، وتوفير أدوات توعوية حديثة تستهدف الشباب والأسر، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر إدراكًا للعلاقة الوثيقة بين تنظيم الأسرة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
واستعرضت نائب الوزير الأهداف الاستراتيجية التي تسعى الدولة إلى تحقيقها، وفي مقدمتها خفض معدل الإنجاب الكلي إلى 2.1 طفل لكل سيدة بحلول عام 2027، بما يحقق الإحلال السكاني والتوازن الديموغرافي. وأوضحت أن هذا الهدف لا يقتصر على خفض الأرقام، بل يرتبط بإتاحة فرص حياة أفضل للأطفال والأسر من خلال تعزيز مفهوم المباعدة الحقوقية بين الولادات لفترات تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، بما يضمن حصول الطفل على الرعاية الصحية والنفسية المثلى خلال مرحلة «الألف يوم الذهبية» التي تمثل حجر الأساس لنموه السليم.
وأكدت الدكتورة عبلة الألفي أن الوعي بالصحة الإنجابية يعد أحد أهم أدوات حماية الأسرة المصرية، مشيرة إلى أن نشر الثقافة الصحية يسهم بشكل مباشر في خفض معدلات وفيات الأمهات وحديثي الولادة والأطفال دون الخامسة، كما يقلل من نسب التقزم وسوء التحصيل الدراسي المرتبطين بسوء التغذية وضعف الرعاية المبكرة. وشددت على أهمية المشورة الأسرية قبل الزواج والاستعداد الصحي والنفسي للحمل، مع تعزيز دور الزوج كشريك أساسي في المسؤولية الأسرية، إلى جانب دعم الرضاعة الطبيعية والاستفادة من الساعة الذهبية الأولى عقب الولادة.
كما شددت نائب الوزير على ضرورة الحد من الولادات القيصرية غير المبررة طبيًا، لما تمثله من مخاطر صحية على الأم والطفل عند الإفراط في استخدامها دون داعٍ طبي حقيقي. وأطلقت رسالة توعوية واضحة تحت شعار «اسأل واستشير.. لقرار مستنير»، مؤكدة أن القرار الصحي السليم يبدأ بالحصول على المعلومة الصحيحة من مصدرها العلمي الموثوق. وأوضحت أن الوزارة تسعى لتغيير الثقافة المجتمعية المرتبطة ببعض الممارسات الطبية عبر التوعية المستمرة، بما يضمن تحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للأمهات والأطفال.
وفي خطوة تعكس الإيمان بدور الشباب في صناعة الوعي، شهد اليوم السكاني إطلاق مسابقة طلابية لإنتاج أفضل محتوى توعوي حول القضية السكانية، مع تخصيص جوائز للفائزين تشجيعًا للإبداع والمشاركة الفعالة. وتستهدف المسابقة توظيف طاقات الطلاب في ابتكار رسائل توعوية حديثة تخاطب المجتمع بلغة العصر، مستفيدة من أدوات الإعلام الرقمي والتواصل الاجتماعي، بما يخلق جيلًا واعيًا قادرًا على حمل رسالة التثقيف الصحي ونقلها بصورة مؤثرة إلى مختلف الفئات.
ومن جانبه، أكد الدكتور محمود صديق دعم جامعة الأزهر الكامل لجهود الدولة في تعزيز ثقافة المباعدة بين الولادات وتشجيع الولادة الطبيعية، مشيرًا إلى أن الجامعة تتحمل مسؤولية وطنية في تصحيح المفاهيم المغلوطة ونشر المعرفة العلمية الرصينة. كما أوضح الدكتور محمود رشاد أن القضية السكانية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة الحياة والاستثمار في الإنسان، بينما أكدت الدكتورة نجلاء عرفة أهمية التغذية السليمة تحت شعار «صحتك في طبقك»، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء طفل سليم وقادر على التعلم والإبداع.
ويمثل إطلاق اليوم السكاني الجامعي الأول وتوقيع مذكرة التعاون محطة فارقة في مسار العمل السكاني المصري، وخطوة نوعية تؤكد أن بناء المستقبل يبدأ ببناء الوعي. وتعكس هذه الشراكة بين جامعة الأزهر ووزارة الصحة إيمان الدولة بأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا عبر الاستثمار في الإنسان، وتمكين الأسرة، وصناعة ثقافة مجتمعية رشيدة تدرك أن ضبط النمو السكاني ليس تقييدًا للحرية، بل حماية لحق الأجيال القادمة في حياة أكثر جودة وكرامة واستقرارًا.