إن المتأمل في كتاب الله ليقف مشدوها أمام دقة الوصف القرآني لأحوال النفس الإنسانية في تقلباتها. وقوله تعالى “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ” هو تشخيص إلهي معجز لما يمكن أن نسميه مرض النية المعلقة
إن كلمة حرف هنا تحمل دلالة عميقة فهي تعني الطرف والجانب والحد. العابد على حرف هو إنسان لم ينغمس في بحر الإيمان بل وقف على شاطئه لم يدخل في حرم اليقين بل ظل على عتبته. هو لم يعقد مع الله صفقة حب وتسليم، بل عقد صفقة تجارة وربح. فهو يقول بلسان حالهاللهم أعطني فأومن،واللهم اكشف لي فأصدق هذه هي العبادة المشروطة، التي لا تصمد أمام رياح الابتلاء.
ولكن هناك صنف أشد غرابة وأكثر إيلاما للنفس المؤمنة الصادقةأولئك الذين لم يكونوا على الحرف فحسب، بل رأوا وشاهدوا وذاقوا أولئك الذين تجلى الله عليهم بنفحات من رحماته فانفرجت كربهم واتسعت أرزاقهم وكشف لهم الحجاب في رؤى صادقة مبشرة رأوا فيها أنوار القبول ولمسوا فيها يد العناية ثم مع ذلك كله حين يأتي اختبار الشكر والثبات ينقلبون على أعقابهم ويجحدون وهنا يصبح السؤال كيف يمكن لنفس ذاقت حلاوة الوصال أن ترتد إلى مرارة الجحود؟
من أخطر ما يواجه السالك في بداية طريقه إلى الله، ومن لم يسلك بعد ظاهرة التباس النعمة بالنفس فحين ينعم الله على عبده بفضل منه، فإن العبد قد يقع في وهم خفي أنه صار أهلا لهذه النعمة وأن النعمة دليل على مقام رفيع له عند الله استحقه بعمله وهذا هو الشرك الخفي في مفهوم العطاء.
يقول الإمام الجنيد العطاء من الله عطاء، والمنع من الله عطاء لأن المعطي في الحالين هو الله فإذا شهدت المعطي كان المنع عين العطاء إن الذين يعبدون الله على حرف والذين ينقلبون بعد العطاء لم يصلوا بعد إلى مقام شهود المعطي هم عبدة العطاء لا عبدة المولى إنهم يشبهون طفلا صغيرا فرح بلعبته فظن أن أمه تحبه للعبته لا لذاته فإذا أُخذت اللعبة ليغتسل أو لينام ظن أن أمه قد أبغضته وأرادت تعذيبه.
إن الرؤى الصالحة التي رأوهاوالفرج الذي شاهده لم يكن الغرض منه عند الله أن يكون محطة للسكون بل كان إشارة للمسيركان الغرض أن تقول لهم العناية الإلهية انظروا كيف أخرجتكم من الظلمات إلى النور لتثقوا بي فانطلقوا الآن في رحاب عبوديتي ولكنهم توقفوا عند النعمة فصارت حجابا ولو انطلقوا لكانت بابا لقد أخذوا التجلي الإلهي على أنه وصول مع أنه لم يكن سوى بداية طريق.
كيف ينقلبون على وجوههم؟ إنها عملية نفسية عميقة النفس التي لم تتطهر من خفايا الشرك حين ترى العطاء، تنتفخ وتتضخم تقول أنا الذي استحققت أنا الذي دعوت فأُجبت أنا الذي رأيت الرؤيا الصالحة لأني طاهر وعندما يأتي المنع أو تأتي الفتنة، يحدث تصادم عنيف بين الأنا المتضخمةوالواقع المؤلم فتنهار الأنا انهيارا كاملا.
هذا الانهيار لا يقود إلى التواضع والإنابةبل يقود إلى الغضب والافتراء لأن النفس لم تكن تعبد الله، بل كانت تعبد فكرة صنعتها عن الله كانت تعتقد أن الله مدين لهابالعطاءفلما لم يدفع لها الدين في ميعاده ثارت في وجه الدائن الوهمي وهذا هو الخسران المبين خسران الدنيا بفقدان العطاءوخسران الآخرة بفقدان الإيمان إنهم المفلسون حقا لأنهم صرفوا رؤوس أموالهم من الرؤى والكشوفات في متاع زائل، ولم يستثمروها في بناء يقين لا يتزعزع.
في مقام العارفين يتجاوز المؤمن الصادق مرحلة الاستدلال بالأثر على المؤثر إنه يرى الله في كل شيء فلا يصدمه شيء إن أعطاه الله رأى تجلي اسم المعطي الوهاب وإن منعه رأى تجلي اسم القابض الحكيم هو دائم الشهود لله فلا يتقلب بتقلب الأحوال بل الأحوال كلها عنده سواء لأنه لا يرى فيها إلا المحبوب الواحد.
أما ذلك الذي عبد على حرف فكان ينظر إلى الآيات لا إلى من أرسل الآيات كانت الرؤيا الصالحة حجابه وكان الفرج سجنه ولو أنه حين رأى الفرج قال يا رب ما هذا الفرج إلا أنت فاجعلني من الشاكرين لثبته الله ولو أنه حين جاء المنع بعد العطاء قال يا رب أنت أعطيتني لا لاستحقاقي وأنت منعتني لا لبغضي فلك الحمد في الحالين لوصل إلى مقام الرضا الذي لا يشقى صاحبه أبدا.
يقول سيدي ابن عطاء الله في حكمه إلهي كيف تستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك إنهم يستدلون بالآية على الله ثم يعبدون الآية. وهذه هي مأساتهم الكبرى لقد أراد الله بهم خيرا حين أرسل إليهم الرؤى الصالحة ليكونوا من الصالحين ولكنهم توقفوا عند الرؤيا فكانوا من المحجوبين.
إن علاج هذه العلة ليس في مزيد من الكرامات بل في التوبة من رؤية الكرامات التوبة من شهود النفس وهي تلبس ثوب الفضل التوبة من إرادة العطاء لا إرادة وجه الله إن الصادق هو من قال بلسان حاله ومقاله اللهم إني أعوذ بك أن تكون رؤياي الصالحة حجابا لي عنك وأن يكون فرجك لي سببا في بعدي عنك اجعلني ممن رأى الأشياء بك لا بكماله وشهد الأفعال منك لا باستحقاقه
فيا أيها السالك احذر أن تفرح بالكرامة وتنسى المكرم احذر أن تفرح بالعطاء وتنسى المعطي وكن ممن قال الله فيهم “الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا” لم يقولوا ربنا العطاء ولا ربنا الكشف، ولا ربنا الفرج بل قالوا ربنا الله، فثبتوا على هذا المقام في السراء والضراء فكانوا من الأبرار المخلصين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.