سطّرت مصر في بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 ملحمة رياضية هي الأبرز في تاريخها؛ إذ نجح الفراعنة في تحقيق انتصارهم المونديالي الأول تاريخياً بالفوز على نيوزيلندا (3-1)، قبل أن يعبروا إلى ثمن النهائي لأول مرة عقب تخطي عقبة أستراليا (4-2 بركلات الترجيح). ورغم أن هذه المسيرة الاستثنائية توقفت في السابع من يوليو بخسارة درامية ومؤلمة (3-2) أمام حامل اللقب المنتخب الأرجنتيني، إلا أنها أسفرت عن عوائد نقدية قياسية بلغت 27.5 مليون دولار أمريكي ضُخت في خزينة الاتحاد المصري لكرة القدم.
هذا الإنجاز لم يقتصر أثره على توفير موارد مالية جديدة للأندية المحلية وإنعاش حركة الاستهلاك المحلي مؤقتاً، بل امتد ليحقق مكاسب مستدامة على صعيد “القوة الناعمة”، مرسياً ركائز استراتيجية بعيدة المدى يمكن للبناء عليها أن يغير الكثير. وإذا كان الأثر الاقتصادي المباشر على اقتصاد بحجم الاقتصاد المصري — البالغ نحو 429 مليار دولار في الربع الأول من عام 2026 — يُعد ضئيلاً نسبياً، فإن القيمة الحقيقية تكمن في القنوات الإعلامية والدبلوماسية التي لن تتضاعف ثمارها إلا إذا نجحت مؤسسات الاستثمار والسياحة والرياضة في استغلال هذا الزخم بالشكل الأمثل.
إن الهزيمة أمام الأرجنتين لم تغيّر من الواقع الاقتصادي شيئاً؛ فالإنجاز المالي تحقق بالفعل بمجرد الوصول إلى دور الستة عشر، والمكاسب الحقيقية ولدت من رحم الأداء البطولي وليس النتيجة النهائية للمباراة. ومن ثم، فإن المقياس الحقيقي للنجاح سيتحدد بناءً على مدى كفاءة وصانعي السياسات في مصر في ترجمة هذه المكاسب “غير الملموسة” إلى نجاحات دبلوماسية واقتصادية على أرض الواقع.
الأثر الاقتصادي: بين الطفرة المؤقتة والاستدامة الهيكلية
أحدثت هذه المسيرة المونديالية دفعة قوية، وإن كانت مؤقتة، لقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة؛ حيث غصت المقاهي ومناطق المشجعين بملايين المواطنين في كافة أنحاء الجمهورية. وأكد باعة الأعلام والقمصان الرياضية أنهم لم يشهدوا حماساً جماهيرياً كهذا منذ حقبة الجيل الذهبي (2006-2010). ورغم ما يمثله هذا الانتعاش الشعبي من تدفقات نقدية حقيقية كانت الأسواق في أمسّ الحاجة إليها، إلا أنه يظل ظاهرة مؤقتة تنتهي بانتهاء البطولة، ولا يرقى لإحداث تحول هيكلي في الاقتصاد الكلي.
بالنظر إلى حجم الاقتصاد المصري البالغ 429 مليار دولار، فإن عوائد البطولة البالغة 27.5 مليون دولار، بجانب بضعة أسابيع من الرواج التجاري في المقاهي، تُعد أرقاماً متواضعة لا تؤثر بشكل ملموس في معدلات النمو الإجمالية. وتؤكد الدراسات الاقتصادية أن بطولات كأس العالم نادراً ما تحقق طفرات اقتصادية دائمة حتى للدول المضيفة أو المتوجة باللقب؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الفوز باللقب يضيف نحو نصف نقطة مئوية فقط إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن مسيرة مصر توقفت عند دور الـ16.
بناءً على ذلك، يثور التساؤل الجوهري: كيف يمكن تحويل هذه العوائد إلى منافع تنمو بمرور الوقت؟ وهل تترجم إلى زيادة في تدفقات السياح، أو جذب للاستثمارات الأجنبية، أو رفع القيمة السوقية للاعبين وصناعة الرياضة؟ الإجابة تتوقف تماماً على حزمة السياسات والاستراتيجيات التي ستتبناها الدولة المصرية في مرحلة ما بعد البطولة؛ فالإنجاز الرياضي ما هو إلا قوة دافعة، أما النمو المستدام فيتطلب تخطيطاً استثمارياً مدروساً.
القوة الناعمة والدبلوماسية الرياضية: النموذج المصري الفريد
تُعرف “القوة الناعمة” بأنها قدرة الدولة على كسب النفوذ وبناء جسور الثقة عالمياً عبر أدوات الجذب الثقافي والرياضي والسمعة الدولية، بدلاً من الاعتماد على النفوذ المالي أو العسكري. وقد منحت البطولة مصر رصيداً ضخماً من هذه القوة لا يمكن أن تمحوه خسارة مباراة؛ فالأداء الشجاع أمام أبطال العالم — والتقدم عليهم بهدفين مع التصدي لركلة جزاء من الأسطورة ليونيل ميسي — نال احترام الأوساط الرياضية الدولية، وغير الصورة الذهنية للمنتخب المصري من مجرد “منتخب يكتفي بشرف المشاركة” إلى منافس شرس يحسب له ألف حساب، هذا التقدير العالمي يمنح الدولة رصيداً ثقافياً دولياً يمكن توظيفه استراتيجياً في العلاقات الدولية وصناعة الهوية المؤسسية لمصر عالمياً.
وفي هذا السياق، تسعى الدولة المصرية بشكل منهجي إلى استخدام كرة القدم كأداة للدبلوماسية الثقافية، مستغلةً نجومها البارزين وسجلها الحافل في استضافة الفعاليات الكبرى لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، وجذب السياحة والاستثمار، بما يتسق ومستهدفات “رؤية مصر 2030”.
وخلافاً للنماذج الاستثمارية الرياضية الضخمة لبعض دول الجوار كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، تقدم مصر نموذجاً للدبلوماسية الرياضية يتميز بكفاءة الإنفاق وانخفاض التكلفة؛ إذ تعتمد برامجها على إرثها التاريخي والحضاري العميق — حيث تُصنف مصر باستمرار ضمن الدول الأغنى تراثاً في مؤشر القوة الناعمة العالمي — بجانب نجوميتها الرياضية ودورها القيادي التاريخي في القارة الأفريقية.
”نموذج صلاح”.. دبلوماسية الرياضيين
يبرز النجم محمد صلاح كأحد أهم الأصول الدبلوماسية الوطنية لمصر؛ إذ يتم توظيف إنجازاته العالمية بشكل مستمر في الحملات الإعلامية والترويجية لدعم قطاع السياحة، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن تقديم صورة إيجابية عن الثقافة والقيم المصرية. هذا الأثر أثبتته الدراسات الأكاديمية التي أكدت أن معدل الوعي بمصر في المملكة المتحدة تضاعف بنحو 35 مرة عقب انتقال صلاح إلى نادي ليفربول.
وقد جاءت مسيرة كأس العالم 2026 لتعزز هذا الأثر الفريد؛ إذ تحولت لقطات احتفالات صلاح، وقيادته الملهمة للفريق رغم الإصابة، وركلة جزاء “البانينكا” الشهيرة ضد أستراليا، إلى أيقونات بصرية عالمية ميزت البطولة. واستجابةً لهذا النجاح، سارع الاتحاد المصري لكرة القدم إلى إدراج “دبلوماسية الرياضيين” كسياسة رسمية ضمن خطته المحدثة لعام 2030، بهدف معلن وهو تحويل مصر إلى “قوة عالمية في المشهد الكروي”، بما يضمن مأسسة النجاحات الفردية وتحويلها إلى أدوات ممنهجة لخدمة المصالح الوطنية العليا.
خارطة الطريق.. ماذا بعد إنجاز 2026؟
تمثل مسيرة كأس العالم 2026 نقطة تحول استراتيجية لمصر، حيث ولّدت حالة غير مسبوقة من الزخم الإعلامي العالمي، وعززت القوة الناعمة للبلاد، وأحيت مشاعر الفخر الوطني والعروبي. ولضمان استدامة هذه المكاسب وعدم تشتتها بمرور الوقت، يتعين على المؤسسات المصرية صياغة تحرك جماعي متكامل عبر المحاور التالية:
وزارة السياحة والآثار: مطالبة بإطلاق حملات تسويقية دولية مبتكرة تدمج بين ثراء مصر الأثري وثقافتها الرياضية الحيوية. إن استغلال صورة نجوم المنتخب مثل محمد صلاح، وهيثم حسن، ومصطفى “زيكو” في المواد الترويجية كفيل بجذب شرائح جديدة ومتنوعة من السياح الشباب. كما يجب العمل على صياغة “باقات السياحة الرياضية” المرتبطة بالفعاليات المحلية أو المباريات الودية الدولية المعززة للعوائد السياحية.
وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية يتعين عليها استغلال هذا المناخ الإيجابي لطرح مصر كوجهة ديناميكية جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)، لا سيما في قطاع الرياضة والترفيه، مع تسليط الضوء على السوق الاستهلاكية الضخمة والشغوفة بكرة القدم، وربط ذلك بالمستهدفات الكلية لـ”رؤية مصر 2030″.
وزارة الشباب والرياضة والاتحاد المصري لكرة القدم (EFA): يجب توجيه عوائد البطولة البالغة (274 مليون دولار )نحو قنوات استثمارية بعيدة المدى، تشمل تطوير كرة القدم في الأقاليم، ودعم أكاديميات الناشئين، وتحديث البنية التحتية الرياضية لضمان تدفق مستدام للمواهب، بحيث لا يصبح إنجاز 2026 مجرد طفرة عابرة. بالإضافة إلى ذلك، يجب إرساء برامج تأهيلية لإعداد أبطال المستقبل ليكونوا سفراء بروتوكوليين وثقافيين لمصر في المحافل الدولية.
بقلم: د. منى مصطفى الشلقامي
أستاذ السياسات الاقتصادية الكلية والحوكمة العالمية – كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية