عبدالرحيم عبدالباري
لم تكن منشورات الترويج على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد إعلانات عابرة هذه المرة، فقد تحولت إلى خيط قاد الأجهزة الرقابية بوزارة الصحة والسكان إلى منشأة طبية غير مرخصة في منطقة أرض الجولف بمدينة نصر، حيث كشفت أعمال المتابعة عن ممارسة أنشطة تجميلية وطبية بالمخالفة للقانون، في واقعة أعادت إلى الواجهة واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بسوق التجميل، وهي أن سهولة الترويج للخدمة على منصات التواصل لا تعني بأي حال أن من يقدمها يملك الحق في ممارستها، ولا أن المكان الذي يستقبل المواطنين يستوفي شروط الأمان والسلامة.

وتأتي الواقعة تنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان، بتكثيف الحملات الرقابية على المنشآت الطبية الخاصة وإحكام الرقابة على الخدمات المقدمة للمواطنين، حيث تمكنت إدارة العلاج الحر بمديرية الشؤون الصحية بالقاهرة، بالتنسيق مع الجهات الأمنية المختصة، من ضبط عيادة هدير بدر غير المرخصة للتجميل، بعد رصد ومتابعة منشورات ترويجية عبر منصة «تيك توك»، وكشفت أعمال التفتيش أن المنشأة كانت تدار من قبل سيدة تحمل ليسانس آداب، وتنتحل صفة طبيبة، وتمارس إجراءات طبية وتجميلية من بينها حقن الفيلر والبوتكس، دون الحصول على التراخيص أو المؤهلات الطبية التي تخول لها القيام بهذه الممارسات.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان أن المخالفات لم تتوقف عند ممارسة نشاط طبي دون ترخيص أو انتحال صفة طبيبة، وإنما امتدت إلى جوانب أخرى تتعلق بسلامة المرضى والصحة العامة، حيث تبين عدم الالتزام بالاشتراطات الصحية الخاصة بالتخلص الآمن من النفايات الطبية الخطرة، وهو أمر قد يحول منشأة تجميلية مخالفة من مصدر خطر على المترددين عليها إلى مصدر تهديد أوسع للصحة العامة، خاصة أن النفايات الطبية لا تعامل كنفايات عادية، وإنما تحتاج إلى طرق آمنة في الجمع والتخزين والتخلص منها لمنع انتقال العدوى أو تعرض المواطنين والعاملين لمخاطر صحية.
ولم تتوقف المفاجآت عند طبيعة الممارسات التي كانت تتم داخل المكان، إذ أسفرت أعمال التفتيش عن ضبط كميات كبيرة من المستحضرات والمواد الطبية التجميلية، شملت الفيلر والبوتكس ومواد الميزوثيرابي، وتبين أنها مجهولة المصدر وغير مصرح بتداولها داخل المنشأة، وتم التحفظ عليها بمعرفة لجنة من هيئة الدواء المصرية، وهنا تكمن خطورة أخرى في المشهد، لأن المستحضر التجميلي أو الطبي لا تصبح صلاحيته وأمانه مضمونين لمجرد أنه يستخدم في إجراء شائع، وإنما ترتبط سلامته بمصدره وتركيبه وتداوله والجهة التي تستخدمه، وهو ما يجعل التعامل مع مواد مجهولة المصدر مخاطرة لا ينبغي الاستهانة بها.
وأكد الدكتور هشام زكي رئيس الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص أن وزارة الصحة والسكان اتخذت الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة، حيث تم تحرير محضر إثبات حالة وإصدار قرار إداري بالغلق الفوري للمنشأة، إلى جانب اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه الشخصية المنتحلة لصفة الطبيب، وإحالة القضية إلى النيابة العامة، لتأخذ الواقعة مسارها القانوني وفقًا لما تم ضبطه من مخالفات، في رسالة واضحة بأن الرقابة على المنشآت الطبية الخاصة لا تقتصر على التأكد من وجود نشاط داخل المكان، وإنما تمتد إلى طبيعة القائمين عليه، ونوعية الخدمات المقدمة، ومدى استيفاء الاشتراطات التي تحمي المواطنين.
وتكشف هذه الواقعة في جانب آخر عن أهمية الدور الذي أصبحت تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في الرقابة غير المباشرة على سوق الخدمات الطبية والتجميلية، فالإعلان الذي يستهدف جذب العملاء يمكن في الوقت نفسه أن يكشف طبيعة النشاط ومكانه والخدمات التي يقدمها، وهو ما حدث عندما قادت المتابعة الدقيقة للمنشورات الترويجية على «تيك توك» إلى الوصول للمنشأة محل الواقعة، الأمر الذي يضع أصحاب المنشآت غير المرخصة أمام حقيقة مهمة، وهي أن الانتشار الرقمي لا يمنح النشاط غطاءً قانونيًا، بل قد يجعل المخالفات أكثر وضوحًا أمام الجهات الرقابية، خصوصًا عندما تتضمن المنشورات الترويج لإجراءات طبية لا يجوز ممارستها إلا من خلال المؤهلين والمرخص لهم.
وفي الوقت نفسه، فإن رسالة وزارة الصحة للمواطنين ربما تكون أهم من واقعة الغلق نفسها، إذ تهيب الوزارة بالمواطنين عدم التعامل مع مراكز أو عيادات التجميل قبل التأكد من وجود ترخيص رسمي للمكان والتحقق من هوية الممارس الطبي، من خلال الاطلاع على كارنيه النقابة والترخيص الطبي، وهي خطوة تبدو بسيطة لكنها قد تمنع أضرارًا بالغة، خصوصًا في ظل الانتشار المتزايد لإعلانات التجميل عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن أن تبدو المنشأة في الصور أكثر احترافية مما هي عليه في الواقع، بينما يظل السؤال الأهم قبل أي إجراء تجميلي: من سيجريه، وأين، وبأي ترخيص، وما مصدر المواد المستخدمة، لأن البحث عن نتيجة جمالية لا ينبغي أن يتحول إلى مخاطرة بالصحة.