عبدالرحيم عبدالباري
في إنجاز طبي جديد يعكس ما تمتلكه جامعة القاهرة وقصرها العيني من خبرات وكفاءات متخصصة، نجح فريق طبي في إجراء جراحة دقيقة ومعقدة لإعادة بناء الثدي على الجانبين لمريضة تبلغ من العمر 30 عامًا، كانت قد خضعت قبل عامين لجراحة تحفظية لعلاج ورم سرطاني بالثدي الأيسر، أعقبتها رحلة متابعة دقيقة تضمنت إجراء اختبار التحور الجيني BRCA، والذي جاءت نتيجته إيجابية، لتتخذ المريضة بعد عامين من المتابعة قرارًا بإجراء جراحة وقائية مع إعادة بناء الثديين، في خطوة تجمع بين التعامل الجراحي مع عوامل الخطورة والحفاظ على الشكل الخارجي والجوانب النفسية للمريضة، وتؤكد أن علاج سرطان الثدي لم يعد يتوقف عند استئصال الورم، وإنما أصبح يمتد إلى استعادة جودة الحياة والثقة بالنفس من خلال جراحات إعادة البناء المتقدمة.
وتعود تفاصيل الحالة إلى مريضة صغيرة السن اكتُشف لديها ورم سرطاني بالثدي الأيسر منذ عامين، حيث خضعت في ذلك الوقت لجراحة تحفظية شملت استئصال الورم وإجراء الغدة الحارسة، ثم دخلت في برنامج متابعة طبية دقيقة، وخلال هذه الفترة تم إجراء اختبار التحور الجيني BRCA، وجاءت النتيجة إيجابية، وهو ما استدعى مناقشة الحالة بصورة دقيقة ووضع الخيارات الوقائية والعلاجية أمام المريضة، وبعد عامين من المتابعة اتخذت المريضة قرارها بالخضوع للجراحة الوقائية وإعادة البناء، لتبدأ مرحلة جديدة من رحلتها العلاجية، تعتمد على التعامل مع احتمالات الخطورة المستقبلية مع الحفاظ في الوقت نفسه على أكبر قدر ممكن من الشكل الطبيعي للثدي، وهو ما تطلب تنسيقًا دقيقًا بين تخصصي جراحة الأورام وجراحة التجميل وإعادة البناء.
وفي السادس من الشهر الجاري 2026، دخلت المريضة غرفة العمليات ضمن قائمة جراحات التجميل، بعد تنسيق طبي دقيق لتبدأ واحدة من الجراحات المركبة التي تتطلب تكاملًا كاملًا بين أكثر من تخصص طبي، حيث لم تكن العملية مجرد استئصال وقائي للثديين، وإنما جرى التخطيط منذ البداية لإجراء الاستئصال وإعادة البناء في الجلسة الجراحية نفسها، بما يتيح للمريضة الانتقال من مرحلة الجراحة إلى مرحلة إعادة البناء دون الحاجة إلى المرور بمراحل متعددة تفصل بين إزالة أنسجة الثدي وإعادة تشكيله، وهو ما يعكس التطور الكبير الذي وصلت إليه جراحات الثدي التخصصية داخل المؤسسات الطبية الجامعية المصرية.
وتؤكد هذه الحالة ما تمثله جامعة القاهرة وقصر العيني من صرح طبي وتعليمي قادر على الجمع بين الخبرات الجراحية المختلفة في الحالات الدقيقة والمعقدة، في ظل دعم واهتمام الأستاذ محمد سامي، رئيس جامعة القاهرة، والأستاذ الدكتور حسام صلاح مراد، عميد كلية الطب بجامعة القاهرة، بما يعزز دور المؤسسة الجامعية في تقديم خدمات طبية متقدمة تجمع بين الخبرة الأكاديمية والممارسة الإكلينيكية، كما شارك في الإشراف والتنفيذ الأستاذ الدكتور محمود عبدالمنعم، أستاذ الجراحة العامة وجراحات أورام الثدي التجميلية، إلى جانب الأستاذ الدكتور أيمن نعمان، أستاذ جراحة التجميل وإعادة البناء، والأستاذ الدكتور رامة أحمد، أستاذ جراحة التجميل، في إطار فريق طبي متكامل جمع بين جراحات الأورام والجراحات التجميلية وإعادة البناء للوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة للمريضة.
واستمرت الجراحة لنحو عشر ساعات متواصلة، وشملت إجراء تفريغ للثديين على الجانبين مع الحفاظ على الجلد والحلمة، فيما يعرف بجراحات Nipple-Sparing وSkin-Sparing Mastectomy، ثم إعادة البناء باستخدام العضلة الظهرية العريضة وحشوات السيليكون على الجانبين خلال العملية نفسها، وهي جراحة تحتاج إلى مستوى مرتفع من الدقة والخبرة في التعامل مع الأنسجة والحفاظ على سلامتها وترويتها الدموية، خاصة مع إجراء العملية بصورة ثنائية وفي مريضة صغيرة السن، وقد مثّل الجمع بين الاستئصال الوقائي وإعادة البناء الفوري أحد أهم عناصر التميز في الحالة، حيث جرى التعامل مع الجانب العلاجي والجانب التجميلي في خطة جراحية واحدة متكاملة.
وتكتسب الحالة أهمية خاصة من الناحية الطبية بسبب ارتباط القرار الجراحي بنتيجة اختبار التحور الجيني BRCA، حيث جاءت النتيجة إيجابية بعد فترة المتابعة التي أعقبت الجراحة الأولى، وهو ما فتح باب المناقشة حول الخيارات الوقائية المناسبة للمريضة، قبل أن تتخذ قرارها بعد عامين من المتابعة بإجراء الجراحة الوقائية، وتبرز هنا أهمية المتابعة طويلة المدى للمريضات اللاتي لديهن تاريخ مرضي يستدعي تقييم عوامل الخطورة الوراثية، إذ إن القرار الجراحي لا يُبنى على نتيجة تحليل منفردة فقط، وإنما على منظومة متكاملة تشمل التاريخ المرضي والتقييم الجيني والفحص الطبي ورؤية الفريق المعالج ورغبة المريضة، وفي هذه الحالة جاء القرار بعد فترة متابعة كافية سمحت بدراسة الخيارات واتخاذ القرار بصورة مدروسة.
ولم تكن ساعات العملية العشر مجرد وقت جراحي طويل، وإنما كانت اختبارًا حقيقيًا لقدرة فريقين طبيين على العمل بتنسيق كامل، حيث التقت خبرات جراحة الأورام مع خبرات جراحة التجميل وإعادة البناء في غرفة عمليات واحدة، بهدف تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الأمان الجراحي والنتيجة التجميلية، وهو ما ظهر في الحفاظ على الجلد والحلمة وإجراء إعادة البناء في التوقيت نفسه، كما عكس التعاون بين الأستاذ الدكتور محمود عبدالمنعم والأستاذ الدكتور أيمن نعمان والأستاذ الدكتور رامة أحمد وأعضاء الفريقين أهمية العمل الجماعي في مثل هذه الحالات، حيث تحتاج كل خطوة إلى تنسيق مسبق ودقيق بين الجراحين، بداية من التخطيط للاستئصال وحتى تحديد أسلوب إعادة البناء وتنفيذه ومتابعة النتيجة النهائية.
وتحمل هذه التجربة في نهايتها رسالة إنسانية تتجاوز تفاصيل العملية الجراحية، فالمريضة واجهت سرطان الثدي في سن صغيرة، ثم عاشت عامين كاملين في متابعة دقيقة قبل أن تتخذ قرارًا وقائيًا يتعلق بمستقبلها الصحي، ولذلك فإن إعادة البناء لم تكن مجرد إجراء تجميلي، وإنما جزءًا من رحلة استعادة الحياة والثقة بالنفس بعد تجربة مرضية صعبة، ومع الحفاظ على الجلد والحلمة وإعادة بناء الثديين في العملية نفسها، أصبح الهدف هو مساعدة المريضة على تجاوز مرحلة العلاج بأقل آثار ممكنة على شكلها وحياتها النفسية والاجتماعية، لتبقى هذه الحالة نموذجًا لما يمكن أن يقدمه التكامل بين جراحات الأورام والتجميل عندما تتوافر الخبرة والتنسيق والرؤية الطبية التي تضع احتياجات المريضة في مقدمة كل قرار.
وجديربالذكر، تؤكد هذه الجراحة أن قصر العيني لا يزال يحتفظ بمكانته باعتباره بيتًا كبيرًا للطب المصري، قادرًا على تقديم جراحات دقيقة تجمع بين العلاج والوقاية وإعادة البناء في آن واحد، فعملية امتدت لنحو عشر ساعات، وشملت تفريغ الثديين مع الحفاظ على الجلد والحلمة، ثم إعادة البناء باستخدام العضلة الظهرية وحشوات السيليكون على الجانبين، لم تكن مجرد نجاح جراحي منفرد، وإنما صورة واضحة لتكامل الخبرات داخل المؤسسة الجامعية، من دعم الإدارة الجامعية والقيادات الأكاديمية، إلى خبرات جراحات الأورام وجراحات التجميل وإعادة البناء، وصولًا إلى كل فرد من أفراد الفريق الطبي والتمريضي الذي شارك في هذه الرحلة، ويبقى الأهم أن تنتهي هذه الرحلة بتمام شفاء المريضة، وأن تتحول ساعات الألم والقلق إلى بداية جديدة تحمل لها الأمل والثقة والقدرة على العودة إلى حياتها بصورة أفضل.