حسين السمنودي
في أجواء إيمانية مفعمة بالسكينة والمحبة والروحانيات، شهد مسجد الرحمن الرحيم بمجاورة 12 بمدينة الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية أمسية دينية مباركة احتفالًا بذكرى المولد النبوي الشريف، تلك الذكرى العطرة التي تتجدد معها مشاعر الحب والوفاء لسيد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وجاءت هذه الأمسية في إطار الاهتمام الكبير الذي توليه وزارة الأوقاف المصرية بإحياء المناسبات الدينية وإعلاء قيم السيرة النبوية وتعريف الناس بجوانب العظمة في حياة الرسول الكريم، وذلك تحت رعاية الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف المصري، وبعناية الدكتور محمد إبراهيم حامد وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف الشرقية، وبإشراف إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، في مشهد يعكس حرص وزارة الأوقاف على أن تظل المساجد منارات للعلم والذكر والوعي الديني الرشيد.
وكانت البداية مع تلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم قدمها فضيلة الشيخ عمر الجعان، الذي افتتح الأمسية بآيات من كتاب الله عز وجل، فكان صوته حاضرًا في قلوب الحاضرين قبل أسماعهم، وأضفى على المكان حالة من الخشوع والسكينة، لتبدأ بعدها نفحات روحانية من الابتهالات والأناشيد الدينية التي شدت انتباه الحضور وأخذتهم إلى أجواء عامرة بذكر الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم تكن تلاوة القرآن الكريم مجرد افتتاح تقليدي للاحتفال، وإنما كانت رسالة واضحة بأن أي احتفاء بالمولد النبوي الشريف ينبغي أن ينطلق أولًا من كتاب الله، وأن تكون السيرة النبوية مدخلًا إلى مزيد من الطاعة والعمل الصالح وحسن الخلق، وهي المعاني التي جسدها الحضور في حالة من الإنصات والتفاعل مع فقرات الأمسية.
وجاءت كلمة فضيلة الدكتور عثمان أحمد، كبير مفتشي إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، لتتناول ذكرى المولد النبوي الشريف وما تحمله من دلالات إيمانية وإنسانية وأخلاقية عظيمة. وتحدث فضيلته عن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره حدثًا غيّر وجه التاريخ، فلم يكن ميلاده الشريف ميلاد إنسان عادي، بل كان ميلاد رسالة ونور وهداية ورحمة للعالمين.
وأكد أن الاحتفال الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يقتصر على مظاهر الاحتفال أو الكلمات والابتهالات، وإنما يكون بالاقتداء بسيرته العطرة، والتمسك بأخلاقه، وإحياء قيم الرحمة والتسامح والصدق والأمانة والعفو والإحسان، وهي القيم التي يحتاج إليها المجتمع في كل زمان، وتزداد الحاجة إليها في زمن كثرت فيه الضغوط والتحديات وتراجعت فيه بعض مظاهر الود والتراحم بين الناس.
وأشار إلى أن سيرة الرسول الكريم تمثل مدرسة متكاملة في بناء الإنسان، فقد علّم أمته أن القوة الحقيقية ليست في البطش، وإنما في ضبط النفس، وأن الرفعة ليست في المال أو الجاه، وإنما في التقوى والعمل الصالح وحسن التعامل مع الآخرين.
كما شارك في هذه الأمسية الدكتور أحمد العدوي، الذي قدم حديثًا مستفيضًا عن ذكرى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، متناولًا جوانب مضيئة من سيرته وشخصيته وأخلاقه العظيمة، وما ينبغي أن يتعلمه المسلم من حياته المباركة.
وتوقف الدكتور أحمد العدوي عند المعاني العميقة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، موضحًا أن المحبة الصادقة ليست مجرد كلمات تُقال، وإنما سلوك يُرى في حياة الإنسان وتعاملاته مع أهله وجيرانه ومجتمعه. فالنبي الكريم كان نموذجًا في الرحمة والإنسانية، وكان قريبًا من الناس، رحيمًا بالضعفاء، عطوفًا على الصغير، كريمًا مع الكبير، متسامحًا مع المخالف، ولذلك بقيت سيرته حاضرة في وجدان المسلمين عبر القرون.
كما تناول الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره قدوة لكل أفراد الأسرة والمجتمع؛ فالأب يجد في رحمته بأهله نموذجًا، والمعلم يجد في طريقته في التعليم قدوة، والمسؤول يجد في عدله وأمانته درسًا، والشاب يجد في أخلاقه وعفته وإصراره على الحق طريقًا، وكل إنسان يستطيع أن يجد في السيرة النبوية ما يعينه على إصلاح نفسه وحياته.
وقد تولى تقديم وإدارة فقرات الحفل فضيلة الشيخ محمد العليمي، إمام وخطيب مسجد الرحمن الرحيم، الذي نجح في الربط بين فقرات الأمسية بصورة مميزة، وإضفاء روح إيمانية على اللقاء، بما يتناسب مع مكانة المناسبة وقدسية المسجد.
وكان حضور إمام وخطيب المسجد في هذه الأمسية تأكيدًا على الدور الذي تقوم به المساجد في نشر الوعي الديني الصحيح، وربط المناسبات الدينية بحياة الناس اليومية، حتى لا تتحول المناسبة إلى مجرد ذكرى عابرة، وإنما تكون فرصة حقيقية لمراجعة النفس والعودة إلى القيم التي جاء بها الإسلام.
ولعل أجمل ما في ذكرى المولد النبوي الشريف أنها تعيد إلى الذاكرة صورة ذلك النبي العظيم الذي عاش حياته من أجل هداية الناس، وتحمل الأذى والمشقة، وصبر على البلاء، ولم يكن همه جمع المال أو طلب الجاه، وإنما كان همه أن تصل رسالة الله إلى الناس وأن يخرجوا من ظلمات الجهل والظلم إلى نور الهداية والإيمان.
إن الحديث عن مولد النبي صلى الله عليه وسلم هو حديث عن الرحمة قبل كل شيء، فقد وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، وهي كلمة تختصر جانبًا عظيمًا من رسالته؛ رحمة بالإنسان، ورحمة بالضعيف، ورحمة باليتيم، ورحمة بالفقير، ورحمة بالجار، ورحمة حتى بالحيوان، ورحمة تمتد إلى كل من يعيش على هذه الأرض.
ومن هنا تأتي أهمية مثل هذه الأمسيات الدينية التي تقام داخل بيوت الله، لأنها تمنح الناس فرصة للتوقف قليلًا عن صخب الحياة ومشاغلها، والجلوس في رحاب القرآن والذكر والسيرة النبوية، والاستماع إلى كلمات تعيد ترتيب الأولويات داخل النفس.
كما أن هذه الفعاليات تؤكد أن المسجد ليس مكانًا للصلاة فقط، وإنما هو مدرسة للعلم والأخلاق وبناء الإنسان، ومنبر لنشر الوسطية والاعتدال وتصحيح المفاهيم، وهو الدور الذي تحرص وزارة الأوقاف على دعمه وترسيخه من خلال الأئمة والدعاة والفعاليات الدينية المختلفة.
وتأتي رعاية الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف لهذه الأنشطة في إطار الاهتمام بإحياء المناسبات الدينية بصورة تجمع بين روحانية المناسبة وصحيح الفهم الديني، بما يربط الناس بسيرة الرسول الكريم، ويجعل من ذكرى مولده محطة للتأمل والعمل وليس مجرد احتفال ينتهي بانتهاء الليلة.
كما يعكس الدور الذي يقوم به الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف الشرقية، حرص مديرية أوقاف الشرقية على متابعة الأنشطة الدعوية والثقافية داخل المساجد، وتشجيع إقامة الفعاليات التي تفتح أبواب المساجد أمام المواطنين للاستماع إلى الكلمة الطيبة والحديث عن سيرة الرسول الكريم وأخلاقه ومواقفه.
ويأتي كذلك دور إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين ليؤكد أهمية العمل الميداني في الوصول برسالة المسجد إلى الناس، وتنظيم المناسبات الدينية بما يليق بمكانتها، والتعاون بين الأئمة والدعاة والعاملين في الحقل الدعوي من أجل تقديم خطاب ديني مستنير ومتزن يلامس واقع الناس ويجيب عن احتياجاتهم الروحية والأخلاقية.
وهكذا لم تكن أمسية مسجد الرحمن الرحيم بمجاورة 12 مجرد احتفال بذكرى مولد، وإنما كانت ليلة من ليالي الذكر والمحبة، اجتمع فيها القرآن الكريم والابتهال والسيرة النبوية والكلمة الهادفة، في مشهد إيماني يعكس مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوب المسلمين.
وفي ذكرى مولده الشريف، تبقى الرسالة الأهم أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم كما ينبغي أن تكون المحبة؛ محبة تتحول إلى أخلاق، وصدق، وأمانة، ورحمة، وتسامح، وبر بالوالدين، وصلة للأرحام، وإحسان إلى الجار، ومساعدة للمحتاج، ووقوف إلى جانب الضعيف.
فليس أعظم احتفال بالنبي أن نرفع أصواتنا بالكلمات فقط، وإنما أن نرفع أخلاقنا إلى مستوى أخلاقه، وأن نجعل من سيرته طريقًا نسير عليه، ومن رحمته منهجًا في حياتنا، ومن صدقه وأمانته وعفوه مدرسة لأبنائنا وأجيالنا القادمة.
وفي رحاب مسجد الرحمن الرحيم، وبين آيات القرآن وابتهالات المحبين وكلمات العلماء والدعاة، بقيت ذكرى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حاضرة في القلوب، لتقول لنا جميعًا إن الأمم لا تبني مستقبلها بالضجيج، وإنما تبنيه بالقيم والأخلاق والعلم والرحمة.
إنه مولد النبي الذي أضاء الله به الطريق، وأخرج به الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية، وجعل سيرته باقية ما بقيت الدنيا.
فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى كل من سار على دربه، وتمسك بسنته، وأحيا أخلاقه في نفسه ومجتمعه.
وكانت أمسية مسجد الرحمن الرحيم بالصالحية الجديدة واحدة من تلك الليالي التي تترك أثرًا طيبًا في النفوس، وتؤكد أن ذكرى مولد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ستظل مناسبة تتجدد فيها المحبة، وتتجدد معها العزيمة على أن يكون الاقتداء بالنبي الكريم سلوكًا وحياة، لا مجرد كلمات تقال ثم تنتهي بانتهاء الاحتفال.