إلى من تركوا لنا وفينا الأثر …. سلاما ….
مارسيل بروست كاتب و روائي فرنسي و ناقد من مشاهير عصره، ولد في نهايات القرن التاسع عشر و امتد عمره إلى ما يقرب من ربع القرن العشرين … عندما مر بي أسمه في اثناء دراستي و انا طالبة في الفرقة الرابعة … عرفت عنه ضخامة اعماله الأدبية فهي تمتد لأجزاء و أجزاء و لكن ظل عالقاً في ذهني عناوين رواياته و معانيها …. فدائما يعرف الكتاب من عنوانه …. كما أن بروست اشتهر بأقاويله عن السعادة و الحياة و الحب … كمفاهيم وصف بها ثوابت الحياة من وجهة نظر أدبية و جدلية … من اهم أعماله وأبرزها سلسلة روايات يجمع فيها بين الماضي و الحاضر و يصف لنا نظرية عميقة مضمونها أن الماضي يطارد الحاضر … و الحاضر ما هو إلا نتاج تجارب الماضي … الرواية بعنوان ” البحث عن الزمن المفقود ” à la recherche du temps perdu …
كتبها بروست في سبعة أجزاء على مر أعوام بداية من 1909 حتى أن القدر لم يمهله أن ينجز النسخة النهائية للأجزاء السبعة في شكلها النهائي، و تركها عبارة عن مسودات ، أكمل اخوه إجراءات نشرها بعد وفاته، و الطريف أن هذا العمل الضخم ضم حوالى ألفين شخصية، تعرفنا عنهم طوال السبعة أجزاء …. ومن المفارقات العجيبة أن هذا العمل الذي توج بفضله مارسيل بروست ليكون من أعظم مؤلفي القرن العشرين لم يلاق في البداية ترحيب دور النشر و رُفض من الكثير منهم بدون أسباب مقنعة … إلى أن وصلت نسخة من مسودات هذا العمل للكاتب الفرنسي الشهير أندريه جيد ووقتها أرسل ببرقية سريعة لمارسيل بروست تتراقص حروفها و تنطق برسالة صادقة ورأي عادل يقيم مجهود سنين … مضمونها أن جميع من رفضوا نشر هذه الرواية عليهم تقديم الاعتذار عن الخطأ الذي وقعوا فيه وعليهم تقديم التهاني إلى بروست، واعترف أندريه جيد أنه لعدة أيام لم يقو على التخلي عن هذا الكتاب. بعد هذه الرسالة سارعت أكبر دور النشر لتقديم العروض و التعهد بنشر هذه السلسة التي خلدت اسم بروست …. و من هنا كانت البداية …
أما عن أحداث الرواية فهي تحكي لنا قصص الحياة في المجتمع الفرنسي في غضون الحرب العالمية الأولى و مشكلات الخدمة العسكرية ثم انهيار الطبقة الارستقراطية و توقعات الكاتب المصحوبة بالحذر من تصدر الطبقة البرجوازية و سيطرتها على زمام الحكم في فرنسا ثم وصولاً للجزء السادس والذي يتحدث من خلال شخصية ألبريتن احدى الشخصيات الثانوية في الجزء الأول و التي أصبحت شخصية رئيسية بداية من الجزء الخامس ليعنون الجزء السادس باسمها ” ألبريتن في أرض الشتات” و في هذا الجزء يتناول مارسيل بروست مبادئ الفكر الصهيوني كما عرفت في هذا الزمن … و من الجدير بالذكر أن سوان، الشخصية الرئيسية التي تناول حياتها بروست في الجزء الأول هي شخصية رجل يهودي يعيش في المجتمع الفرنسي في هذا الزمن البعيد. ولا ننكر أيضا أن بروست نصف يهودي تربي في قصور النبلاء الفرنسيين و اختلط بهم قبل أن ترتقي الطبقة البرجوازية للحكم في فرنسا.
من الأعمال الأخرى التي تعرفت عليها بتعمق بعد حصولي على الدكتوراة و اجتهادي في البحث عن المادة العلمية المناسبة للمقررات التي تسند لي في التدريس، مؤلف ضخم وذو قيمة وهدف Pastiches et Mélanges …. ” تقليد الأسلوب و الخلط ” تناول فيه مارسيل بروست على مدار تسعة فصول قصة نشرت في الأخبار اليومية عن المزور الشهير لوموان الذي يدعي أنه قادر على صناعة الألماس ومن خلال هذه القصة الطريفة حاكى بروست أسلوب فلوبير وبالزاك و غيرهم من مشاهير الأدباء الفرنسيين … اجتهد مارسيل بروست أن يترك للعالم رسالة من خلال محاكاة أسلوب من سبقوه… من تركوا على كتابات برست و أدبه أثاراً وعلامات … يسرت له الطريق ليصل للاحترافية و الاتقان ليصبح هو الأخر علامة محفورة على ذاكرة الزمن كمن سبقوه من العظماء التي تعلم منهم … فمارسيل بروست ممن اعترفوا أننا نتاج من سبقونا … نحن امتداد لمن علمنا، كل محاولة منا في محاكاة أسلوب أستاذ هي اعتراف ضمني منا بالولاء له … و لكل من نحاكي أسلوبهم … من تركوا علينا علامات عميقة تشهد لهم … ننقلها عنهم بشكل لا إرادي و بدون أن نشعر … محاولة منا إلى تقديم الولاء لجيل العظماء من علمونا و اجتهدوا في تقويمنا لنحاكي اليوم اسلوبهم و نقلد مسيرتهم … لعلنا نصبح بعد زمن ذكرى و اثر ….
توقفت كثيرا عند هذا العمل و تعمقت في الهدف الخفي الذي اعترف به مؤلفه سواء بشكل ضمني أو صريح و وقتها أيقنت أننا فعلا لابد أن نعترف اننا لا فضل لنا فيما نحن عليه الآن. فقط نحن نجتهد لمحاكاة من أثروا علينا و من أسروا قلوبنا وأفكارنا، من نالوا اعجاب من حولنا … من تركوا أثراً لنا … نقتفي خطواته … و نطلق على ما نقابله في مسيرتنا خبرات … نمزجها بالماضي و نقدمها في شكل منمق يعبر عنا … اقرارا منا بالإخلاص لكل من ترك علينا الأثر. وطمعا أن نبقى نحن أثراً لمن بعدنا.