كتب – أسامة خليل
تعتبر قضية الوحدة الوطنية من القضايا التي حظيت باهتمام بالغ من جانب الدولة المصرية على مر العصور نظراً لعظيم أثرها على الأمن القومي للبلاد ، وأثبت التاريخ أن الوحدة الوطنية كانت من أهم ركائز بناء وتقدم مصر قبل وبعد الفتح الإسلامي.
من هنا تأتي أهمية الوحدة الوطنية في النهوض بكافة قطاعات الدولة المصرية ، وبالتالي تمهد الطريق نحو مستقبل مشرق لكافة فئات المجتمع، كما تولد لدى الشخص شعوراً بالانتماء نحو وطنه وأبناء شعبه، وبالتالي تدفعه لأن يخلص في عمله ويطوّر من نفسه وبالتالي ينهض بدولته.
كما تساهم في نشر السلام ، أينما تحلّ الوحدة الوطنيّة تختفي كافّة الشرور، والخلافات، والأحقاد، والعنف، والعنصرية، وتسود أجواء المحبة، والتسامح، والتكاتف، والتآخي، والتعايش.
وقد تميزت مصر، منذ قديم الأزل بالترابط والمحبة بين شعبها، فهنا في البلد التي ذكرت في الديانات السماوية، كان يعيش المسلم والمسيحي واليهودي، في بناية واحدة يبتاعون ملابسهم من نفس المحلات التجارية، يأكلون من نفس الطعام، يستمعون لنفس الأغاني، يخرجون إلى نفس المتنزهات والمقاهي، ويتشاركون بتبادل التهاني في الأعياد الرسمية والمناسبات الاجتماعية وحفلات الزواج وحتى في المأتم.
ويشارك المسلمين في مناسبات الأقباط ومقدساتهم، وتطوع مسيحيون لترميم مساجد وتزيينها لذلك يصبح الأمر طبيعيًا اذ يطلق المسلمون أسماء المسيحيين على المساجد، وهذا الفعل هو أروع صور النضج الفكري.
لم تكن الوحدة الوطنية يومًا شعارات مزعومة، فمصر بمسلميها ومسيحيها دائمًا ما يكونون يدًا واحدة ضد التطرف والعصبية، فبعد أن فتح عمرو بن العاص مصر، تعايش الاثنان معًا منذ ذلك التاريخ وحتي اليوم في ألفة وروح أخوة وسلام، بما يثبت أن اختلاف العقائد لا يفسد للمصرين ود.
وقد ذكر التاريخ لنا صوراً جلية وواضحة من صور التسامح والحفاظ علي الوحدة الوطنية فى مصر ، وجاء شعار ” يحيا الهلال مع الصليب ” لتوحيد الصف المصري، الذي انطلقت البشارة الأولى للثورة عندما شغلت الزعيم “سعد زغلول” فكرة تأليف وفد مصري للدفاع عن قضية مصر سنة 1918م ، ورغم محاولة الاحتلال الإنجليزي قتل الفكرة ومواجهة حملات التوقيع بالموافقة الشعبية عليها، تشكل الوفد، الذي ضم سعد زغلول، مصطفى النحاس، مكرم عبيد، عبدالعزيز فهمي، علي شعراوي، أحمد لطفي السيد وآخرين.
وكان شعار يحيا الهلال مع الصليب ، رد فعل طبيعي لإظهار المعدن المصري الأصيل الذي يحدد النظرة المصرية لما حدث من مناخ طائفي، فهذا الشعار جاء رد فعل للأحداث الطائفية أوائل القرن العشرين ومقتل بطرس غالي القبطي، حيث بث الاحتلال البريطاني أفكارا مغلوطة لزرع بذور الفتنة بين عنصري الأمة، وظهرت صحف إسلامية وأخرى مسيحية، وكان من الطبيعي في هذا المناخ الطائفي وفي ظل استعمار يريد القسمة والفرقة وعلى ضوء المطالبة بالاستقلال في مواجهة الاحتلال من رفع شعار يحيا الهلال مع الصليب، ولمن شاركوا من النخبة القبطية في هذه الثورة رفعوا شعار الدين لله والوطن للجميع للرد على كيد البريطانيين ويظهروا أن ثورة 1919 ثورة شعبية.
لو أراد الله توحيد الأديان لوحدها ولو شاء ان يجعل الناس أمة واحدة لجعلهم. وقد وضح القرآن الكريم ما قضته الإرادة الإلهية منذ الأزل من اختلاف الناس في عقائدهم، وذلك لحكمة يعلمها الحكيم الخبير، قال الله سبحانه وتعالي: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (سورة هود 118)، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم». ولا يكره الإسلام أحدا على الدخول فيه، فهو لم ينتشر بسيف ولا عنف ولا اكراه، قال الله تعالي: «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ» (سورة البقرة651).
وجعل الإسلام التعايش الاجتماعي بين المسلمين وغير المسلمين قائماً على المعاملة الحسنة، فعند الحوار أو الجدال لابد أن يكون الجدال بالتي هي أحسن حتي تظل جسور التواصل والتعاون قائمة فقال الله تعالي: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسملون» (العنكبوت/46).
كما أشادت الدولة، بالدور الذى تقوم به الكنيسة المصرية، فى تعزيز الوحدة الوطنية ووحدة واستقرار البلاد، ونشر قيم التسامح بين كافة أبناء الوطن، مؤكدًا أن التاريخ المصري قد شهد العديد من الوقائع والأحداث، التى سجلت المواقف الوطنية للكنيسة المصرية ورجالها.
إنّ المجتمع الإنساني الذي تختلف فيه اللغات واللهجات والألوان والديانات والقوميات والثقافات والهجرات مجتمع غنيّ ومُعافى وقوّي وأكثر انفتاحاً وحضارية وإبداعاً،و تنظر الدول المتحضّرة إلى مسألة التنوُّع بكلّ أشكاله، القومية والدينية والفكرية والطائفية والسياسية والاقتصادية، على أنّها داعية ثراء ونماء وبركة وعطاء، وسبب من أسباب تطوُّر الوطن وتقدُّمه. إنّ مفهوم وحدة الإنسانية هذا، قد تم التأكيد عليه أيضاً من قبل النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة الوداع، حيث ذكَّر المسلمين بذلك من خلال قوله: «أيّها الناس، كلّكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى».
وللوحدة الوطنيّة أهميّة كبرى لا تقتصر على الفرد بل تتعدّاه إلى المجتمع بأكمله ، فترابط أبناء المجتمع الواحد ووقوفهم إلى جانب بعضهم البعض في مواجهة أحْلَك الظروف وأصعب الأوقات هي دليل قاطع على وحدتهم وتكاتفهم، ويجعلهم هذا التكاتف والتعاضد يقفوا صفًا واحدًا في وجه أعدائهم سواءً كان العدو داخل الوطن أو خارجه.