في كثير من صحفنا ومجلاتنا، نقرأ مثل هذه الكلمات، التي صارت نصاً مقدساً، نتلوه مع خاتمة كل ترويسة: “لهيئة التحرير الإعتذار عن عدم النشر دون إبداء الأسباب”!
كلمات تستفزك، وتتحداك، وتواجه قلمك، وتجرفه، وعلى الأدنى، تبقيه مزدهراً في الحفرة، فلا يترك أثراً سوى ما تتركه الفراشة من أثر!
وللأمانة، هناك بعض الدوّريات، تداركت هذا النص، ونسخته، ولم يعد موجوداً على صفحتها، ولكنه ما يزال مُفعّلاً، ومعمولاً به، على طريقة: “ما نُسخ نصه وبقي حكمه”!
أنا لا أعرف من أبتكر هذا النص الذميم، ولكني أعرف أن أحدهم وضعه لغاية في رأسه، وصار ذا أهمية خاصة بالنسبة لغيره، بحيث باتوا متمسكين به، وكأنه جزء من شخصيتهم الذاتية!
انني لا أضخم هذه الكلمات، ولا أسعى إلى أسطرتها، ولكني أحاول إزالة الطلاء عنها؛ لنرى في حناياها، الكثير من الجرائم الأدبية: فهي تقصف أقلاماً صاعدة، وتُدمّر مواهباً واعدة، وتُطارد عقولاً غنية سخيّة، فتصبح “درجة الكتابة صفر”، بتعبير رولان بارت!
هذه هي ثمارها السيئة!
ولكن، لماذا: “دون إبداء الأسباب؟!..
للإجابة، أنظروا إلى هذه الشعائر…
فالبعض، مثل لصوص الروائع، يتلاعبون بهذا النص، للحصول على أغراض وأمتيازات شخصية. يحضرني في ذلك، موقفاً تحاسدياً لأحد رؤساء التحرير من نحو صحفي شاب، الكتابة عنده طبيعة حياته، مثل التغريد عند الطائر. حيث أخفى مقالاته في درج مكتبه، ليغرس في عقله الشعور الدائم بأنه لا شيء!
والبعض، يستخدم هذا المكر، ليرتاح من مسئولية تقييم الكتابات الباكرة، والأخذ بيد أصحابها، دون تشويه ولا صلابة. ولذلك يميل إلى نشر ما تنتجه الأقلام المرموقة. وهذا ما كشفه أحد الأدباء المشهورين، عندما أرسل بقصة من نتاجه إلى احدى الصحف، باسم مستعار، ليختبر ردة فعلهم، فاعتذروا عن نشرها. ولكن عندما أعاد ارسالها باسمه، نُشرت بحفاوة بالغة!
والبعض، يخشى من فضائحية أهوائه، وفكره المرتعش. مثل هؤلاء الذين رفضوا مقترحاً من أحد الكتّاب، أراد أن يُعدّ باباً، الغرض منه نشر القيم الروحية، والمباديء الإنسانية الراقية والسامية، كالطاعة، والتسامح، والتعاطف، والإيمان بإله واحد، مدعمة بآيات من القرآن، والإنجيل، والتوراة، ليتعلّم أولادنا: أن ما يجمعنا، أكثر كثيراً مما يفرقنا!
والبعض، يخبيء تعصبه الديني تجاه الآخر. أذكر انني التقيت برئيس تحرير مجلة للفتيان والفتيات، وفي حديثه، تكلم عن شخص، اسمه يكشف عن هويته الدينية بحروف ساطعة. قال عنه، بشيء من السخرية، أنه يكاد يرسل له كل يوم قصة ـ وكأنه لم يجد في كل هذا الكم من الرسائل، عمل واحد يستحق النشر ـ. الشيء الذي لم يكن يعرفه هذا المسئول، أن هذا الشخص، المنكوب، هو من أصدقائي. وأنه كان مرحباً به في هذه المجلة ذاتها، وينشرون له بصفة منتظمة، في فترة ما قبل توليه رئاستها!
أما الشيء المقزز حقاً، هو أن يعتبر بعض القائمين على رأس العمل الصحفي، أن الصحف والمجلات ـ التي هي ملكاً للشعب ـ، صارت لهم ملكية خالصة من دونهم ـ. وهذا ما أتى به أحدهم: فعندما تم تعيينه، رئيساً لتحرير إحدى الصحف، إذا به يستبعد كتّاب الرأي ـ إلا ممن رحم ربي ـ، وكأنه ـ بلغة السياسة ـ ينقلب على “الحرس القديم”. وكالعادة: “دون إبداء الأسباب”.
وهكذا طرد الكثيرين من جنتهم!
ان خطايا هؤلاء لم تنته بعد، انها ما تزال مستمرة. وعلينا مناصرة هؤلاء الذين يحملون القلم، ليكونوا صامدين أمام خدش هذه الكلمات المُعثرة، والتعارك معها، والتحرر من أسوارها الفاصلة بينهم وبين التواصل مع الآخرين، فينتصروا على ذلك الذي تحوّل مع الزمن إلى حذاء صيني نلبسه بأرجلنا وأفكارنا، ولا يُسمح لنا بإنتزاعه حتى الموت!