د. رضا عبد السلام أستاذ التصوير الجداري بكلية الفنون الجميلة والفنان التشكيلي الكبير الذي بدأ حياته محلقا خارج السرب.. حتى أصبح قائدا لسرب ممن تمردوا على الواقع والنمطية وحلق بهم نحو بصمة خاصة كسرت الحواجز وخلقت حالة متجددة على مدار خمسة عقود.
د. رضا عبد السلام لم تصنعه شلة ولم يعتمد على أب أو خال في مجال الفن التشكيلي وإنما بدأ مشواره بفلسفة هو صاحبها وهو مبدأ يراه ويعتنقه.
يقول:
(من لا يعرف الحياة.. لن يعرف الفن)
فحقا الحياة فن والفن حياة وكلاهما للآخر مرآة.. لقد أعترك الحياة منذ نعومة أظفاره معتمدا على ذاته ضد مستقبل رسمه وحلم به قبل أن يخط أعظم جدارية تعبر عن خمسة عقود من حياة فنان استثنائي صنع تاريخه وواقعه بل وتمرس أيضا في صناعة الأخرين فهو يحب العطاء وخلق أجيال كحبه لخلق لوحاته.
لقد أستغل الفنان خبراته الحياتية مثل عمله في حرفة ميكانيكا السيارات.. ثم فترة الجندية والحرب..و فترة عمله في الصحافة كرسام.. خط خلالها بخطوطه روعة ورونق إبداع كبار الكتاب والمفكرين والسياسين والصحفيين.. ثم فترة عمله كأستاذ بكلية الفنون الجميلة.
كل هذا تجلى في أعماله المركبة التي خلقت عالمه غير المتجانس في إطار متجانس كأروع جدارية فنية إنسانية.
ففي معارضه الغزيرة تجد كل شيئ وضده النظام والفوضى.. التركيب والتفكيك.. المرونة والصلابة
الصوفية والعري.. الصمت والصراخ.. الخنوع والثورة.
لقد استفاد من كل مراحله.. وكل تجاربه.. لقد خبر الحياة فتملك الفن الذي عشقه.
إن كل مرحلة في حياته تجدها في جنبات معارضه.. فهو ابن السويس بتفاصيلها.. البحر والمراكب الأسماك والسعي للرزق في أحلك مراحل عمر المدينة الباسلة .. التي دفعته بظروفها للعمل مبكرا في مهنة علمته كيف يفكك كيانا كبيرا ثم يجمعه علمته الغوص في تفاصيل السيارة التي يصلحها بكل مكوناتها لقد علمته عشق المجسمات.
فرضا عبد السلام يمارس كل مهنة أو عمل كفنان وليس العكس لأن الفن موهبته الأصيلة التي خلق عليها لذا مارس الفن في عمله ودراسته وحرفته وجنديته اثناء الحرب.. مارسه ضد العدو .. ضد الجهل والتطرف.. ضد التسطيح والتهميش والنفاق والكراهية.
وكما تنوعت موضوعاته تنوعت ألوانه فله تراكيبه الخاصة والجريئة وغير النمطية وكذلك خامات الورق والقماش والخشب. الكارتون .. فقد برع في فرض سطوته على خاماته فطوعها ولم تطوعه.
فهو كما ذكرنا فنان متمرد.. طموح.. يخلق مكانه وحلمه بل ويطوع زمانه من خلال تجاربه التي لا تؤطر.. فمن التراث والأماكن الأثرية للشعبية للأماكن الراقية ينهل منها أفكاره ليخلق فنا مركبا عابرا للمكان والزمان بجرأة ورقي فن وليس بتهور.
ففي مجال الفن لا يقدم على التجريب والخروج عن المألوف إلا من خبر التراث وهضمه بشكل جيد وأعاد رؤيته بعيدا عن التقليد وأحيانا عن التأثر بما سبق.
د. رضا عبد السلام لا يتمرد فقط على من سبقه أو من حوله بل يتمرد على نفسه حين يعيد رسم لوحاته المرسومة بين الرسم والكولاج والتصوير واحيان يعيد تقطيعها وإعادة تدويرها في بناء لوحة أو جدارية فهو مولع بالتجريب والتجديد.. باحثا عن بناء تشكيل بصري جمالي رمزي كان أو تجريبي أو تصويري.. لكن لابد أن تجد فيه تمرد د. رضا عبد السلام حتى على رضا عبد السلام نفسه.
فالفن لديه لا يتجزأ وأنما تنهل روافده من بعضها وهو يرى أن الفنان يجب أن يكون مثقفا واعيا ناقدا له رؤيته التي استقاها من مراحل سنوات عمره بما مر به حتى أصبح له عبقه الخاص ولونه المتفرد ورؤيته التي تمثله.
فقد عبرت ريشته في مرحلة من مراحل حياته عن عظماء الكتاب والمفكرين والسياسيين والصحفيين منهم على سبيل المثال :
مجيد طوبيا.. صالح مرسي..لويس عوض.. بهاء طاهر.. الفريد فرج.. راجي عنايت.. محمد حسن الزيات.. سعد الدين وهبة.. يوسف أدريس.. توفيق الحكيم.. زكي نجيب محمود.. بنت الشاطئ.. نعمات أحمد فؤاد.. صور أفكارهم وإبداعهم من خلال الفوتمونتاج.. والكولاج وقد أقام معرضا ضم خبرة 26 عاما من العطاء.. اتسمت خطوطه بالجرأة والبساطة المعجزة وقوة التعبير والحداثة.. فقد كان يرسم بشكل حر كأنه في مرسمه دون ممارسة هيمنة السلطة على الصحافة القومية ودون رقابة على روسوماته خاصة أنها مثلت حقبة زمنية من تاريخ مصر السياسي والإجتماعي والثقافي.. وقد صرح هو بنفسه في لقاء صحفي أن تلك المرحلة أفادته.. ففي هذا الوقت سعى البعض للغرق في ذاتيته.. والبعض حاول توفيق أوضاعه أو الهروب منها.. لكنه قرأ وكتب وأثر وتأثر بكبار كتاب تلك المرحلة.
هناك جانب آخر يستهوي د. رضا عبد السلام وهو استخدام اللامستخدم والتي لا يبحث هو أو غيره عنها.. لكنه يجدها ذات صدفة فيعيد تدوير المهمل فنا راقيا واضعا إياها في سياق غير متوقع يضعها في سياق آخر غير نفعي.. بل فني وجمالي.. رغم اختلاف القطع عن بعضها وسياقها واستخدامها قديما لكنه ينجح في خلق زمن خاص بها ورؤية جمالية خاصة تبوح بروعة الفنان الذي خلفها.. فهو عاشق للمزاوجة بين أنواع مختلفة من الخامات والأزمنة والأمكنة كما ذكرت سابقا.. فهو يذيب حدود اللوحة ولا يؤطرها بحيث تستطيع التحليق معه في خياله أو خيالك كمتلقي.. وتلك روعة الدهشة التي تنتابك مع كل معرض.
منذ بداياته قبل خمسة عقود وحتى يومنا هذا.
وبناء على ما سبق :
هذا الفنان السامق والأستاذ المعطاء.. لم ينتظر تكريما من الدولة والذي يأتي على عدة أشكال منها على سبيل المثال وليس الحصر الإقتناء من روائعه للوزارة ولمنشأت الدولة التي تحتاج توقيع كبار الفنانيين في مصر كشكل من أشكال التوثيق لتاريخ الفن التشكيلي في مصر.. كما يحدث في الدول الأخرى المتحضرة.
أو شراء نماذجه التشكيلية المجسمة لتحويلها لمجسمات كبيرة تزين ميادين مصر بديلا عن تشويه تلك الميادين بأصحاب الشللية والقرابة.
الشكل الأهم ونصيغه في سؤال أطرحه على قطاع الفنون التشكيلية ووزارة الثقافة :
أما آن لتلك الوزارة أن تستحي وتمنح الأستاذ الدكتور الفنان التشكيلي الكبير مربي الأجيال جائزة الدولة تكريما لتاريخ طويل من العطاء والصبر.
هذا التاريخ العريض يستحق الإعتراف به من وزارة المفروض أنها تمثلنا والحقيقة أن الوزارة حتى هذه اللحظة تمثلنا شكلا لا موضوعا.
لذا عليها الأن أن تحقق مطلبا للمثقفين والفنانيين والنقاد.. بتقدير رموزنا وليس رموزها الذين يحصلون على الجوائز من باب أطعم الفم تستحي العين.